دور سماحة الشيخ الجمري في تأصيل الوعي الإسلامي

المكان : ساحة الاعتصام ـ قرية بني جمرة .
اليوم : مساء الجمعة ـ ليلة السبت .
التاريخ : 21 / ذو الحجة / 1429هج .
الموافق : 19 / ديسمبر ـ كانون الأول / 2008م .

الموضوع : كلمة للأستاذ عبد الوهاب حسين .
المناسبة : تأبين سماحة الشيخ الجمري في الذكرى الثانية لرحيله .

أعوذ بالله السميع العليم ، من شر نفسي الأمارة بالسوء ، ومن شر الشيطان الرجيم .
بسم الله الرحمن الرحيم .
الحمد لله رب العالمين .
اللهم صل على محمد وآل محمد ، وأرحمنا بمحمد وآل محمد ، واهدي قلوبنا بمحمد وآل محمد ، وعرف بيننا وبين محمد وآل محمد ، واجمع بيننا وبين محمد وآل محمد ، ولا تفرق بيننا وبين محمد وآل محمد في الدنيا والآخرة طرفة عين أبدا يا كريم .
اللهم معهم .. معهم لا مع أعدائهم .

السلام عليكم أيها الأحبة : أيها الأخوة والأخوات في الله ورحمة الله تعالى وبركاته .
في البداية : رحم الله من قرأ السورة المباركة الفاتحة ، وأهدى ثوابها إلى روح العلامة الشيخ عبد الأمير الجمري ، وإلى أرواح شهداء الانتفاضة الأبرار عليهم جميعا الرحمة .
أيها الأحبة الأعزاء : سماحة الشيخ عبد الأمير الجمري ( رحمه الله ) كان من الصف الأول من علماء الدين الأجلاء في البحرين ، وكان الوجه القيادي الأبرز للمعارضة في البحرين في التسعينات إبان إنتفاضة الكرامة الشعبية المباركة . ولا أدعي بأن سماحته كان متميزا في تفكيره ، ولكني أدعي بأنه كان أصيلا ـ إلى حد كبير ـ وواقعيا في التفكير ، حيث كان مزودا بثقافة حوزوية إسلامية أصيلة ، ومنفتحا على الثقافات الأخرى وله نصيب منها ، وكان يفكر من أجل العمل والارتقاء لا من أجل التفكير في نفسه ، ويعالج القضايا من خلال ثقافته الحوزوية ، وتطلعاته الإسلامية والوطنية ، ولم يكن متساهلا فيما هو إسلامي ، ولكنه كان مرنا في الأخذ بالخيارات العملية المطروحة على الساحة الوطنية ، فيما فيه المصلحة الإسلامية والوطنية وعليه الإجماع أو التوافق ، والتي تتوافق مع الرؤية الشرعية والسياسية لفريق العمل .
وقد لعب سماحته دورا كبيرا في تأصيل الوعي الإسلامي في القضايا الدستورية والسياسية والحقوقية وغيرها . وسوف أشير في هذه الكلمة إلى بعض المسائل التي تشكل الرؤية فيها التوجه السياسي لسماحة الشيخ الجمري ( رحمه الله ) على الساحة الوطنية ، ولن أتحدث في هذه الكلمة بعقلية الباحث الذي ينظر في النصوص لإكتشاف رؤية سماحة الشيخ الجمري في المسائل المطروحة ، وإنما سأتحدث بعقلية الواجد ( ما وجدت ) والشريك ، فقد كنت وإياه وعصبة من المؤمنين الأعزاء شركاء في التفكير والعمل إبان الانتفاضة ، ولهذا فإني لست في حاجة لاستدعاء النصوص ، بقدر ما أنا في حاجة إلى الكشف عن الحقيقة ، ولا يمنع ذلك من استحضار النصوص بهدف تعزيز الإثبات .
وقبل استعراض المسائل ورؤية سماحة الشيخ فيها ، أرغب هنا في التنبيه إلى أن سماحة الشيخ الجمري ( رحمه الله ) كان يتعاطى مع شركائه في العمل بعقلية الجزء من الكل في فريق العمل الواحد ، ولم يكن يرى نفسه مصدرا للشرعية في العمل ، فمصدر الشرعية للعمل الإسلامي في رأيه هو الفقيه المطلق الجامع للشرائط ، وكان ملتزما بذلك ، ولم يكن يرى لنفسه امتيازا على شركائه رغم أنه كان الوجه الأول في فريق العمل ، ولم تكن لديه حساسية أو تمييز بين المعمم والأفندي ـ كما يتوهم البعض ذلك ـ والاختلاف بين المعمم والأفندي على أساس هذا التقسيم في التيار ، قضية مفتعلة ولا واقعية لها مطلقا في التيار ، وهي غريبة علينا في الفكر والممارسة ، فجميع المؤمنين في التيار على خط فكري وعقائدي واحد ، والتزام كامل بمرجعية الفقهاء ، والاختلاف يدور حول المناهج السياسية المناسبة للتعاطي مع السلطة ، والمصاديق الصحيحة للمرجعية . وأرى في إثارة هذا الاختلاف على أنه قضية موجودة بين المؤمنين في التيار ، إدعاء لا أساس له من الصحة ، وأرى في محاولة إسقاط الاختلافات الفكرية وشخوصها في الخارج على أوضاع المؤمنين وأشخاصهم في الداخل ، سعي لاستيراد المشاكل من الخارج لا جدوى منه ولا مصلحة فيه ، فنحن لا نعاني واقعا من هذه المشكلة في البحرين ، ولسنا في حاجة إلى استيرادها من الخارج وإسقاط شخوصها على أوضاعنا وأشخاصنا في الداخل ، وعمل ذلك يعبر عن حالة مزاجية غير واعية ومضرة بالحالة الإيمانية الولائية في البحرين ، وتدل على تشخيص غير دقيق لطبيعة الاختلاف الحاصل بين المؤمنين الأعزاء وحقيقته ، وربما يكون المنفي أكثر ثبوتا لدى المنفي عنه ، وأنا أدعو من على هذا المنبر الشريف ، وفي هذه المناسبة الغالية ، كافة إخواني المؤمنين :
• إلى اليقظة والالتزام بالحقيقة والعدل ، والنأي بأنفسهم عن اختلاق اختلافات فكرية خطيرة واسقاط شخوصها في الخارج على شخوصنا في الداخل من أجل مناصرة هذا الفريق السياسي أو ذاك ، فإن في ذلك مضرة بالحالة الإيمانية الولائية في البحرين .
• وأدعوهم إلى رص الصف وتوحيد الكلمة على أساس الحقيقة والأهداف والقضايا والمصالح العليا لاالتحزب لهذا الطرف أو ذاك ، فقد أغنتنا التجارب بنتائجها الواضحة ، وأصبحت نتائج الأطروحات والمواقف ظاهرة لكل باحث عن الحقيقة ، وإنا لنعيش اليوم أوضاعا مأساوية صنعناها بسوء إدارتنا لأوضاعنا ، ومن لا توقظه هذه المآسي وتحمله على المراجعة الشاملة للاطروحات والمواقف والتصحيح لها بشفافية وصدق وإخلاص ، فلن يستيقظ إلا وقد كُشف عنه غطاؤه وكان وجها لوجه مع أهوال القيامة يوم يمتنع التصحيح ولا ينفع الندم .
أهم المسائل التي تشكل الرؤية فيها التوجه السياسي لسماحة الشيخ الجمري على الساحة الوطنية :
المسألة ( 1 ) الفقراء والمستضعفون : يرى سماحة الشيخ ألجمري ( رحمه الله ) بأن الفقر يشكل خطرا على كيان الأمة والوطن ، فهو مصدر البؤس والشقاء والتخلف ، وسبيل لنشر العداوة والكراهية والجهل والمرض والجريمة والرذيلة بين أبناء المجتمع ، وهو الطريق الذي ينفذ منه أعداء الدين إلى المجتمع الإسلامي لنشر الأفكار الهدامة وللقضاء على الأخلاق والقيم الروحية والإنسانية ( تعاليم إسلامية . ص98 ) وهذا ما تؤيده النصوص والتجارب . ولهذا انطلق سماحة الشيخ ألجمري ( رحمه الله ) من الرؤية الإسلامية في مكافحة الفقر والوقوف إلى صف الفقراء والمستضعفين ـ سنة وشيعة ، مسلمين وغير مسلمين ـ في الدفاع عن حقوقهم المسلوبة : الطبيعية والمكتسبة كواجب شرعي وإنساني وليس مجرد هوى أو رغبة سياسية ، وطالب بإيجاد حلول جذرية للبطالة ، وطالب بالضمان الاجتماعي للعاطلين والعاجزين عن العمل ، وذلك كله بهدف إيجاد العدل والمحبة والتعاون والأمن والاستقرار في المجتمع والدولة ، ولمنفعة الجميع : أغنياء وفقراء ، حكام ومحكومين ، وليس لمنفعة فريق وخسارة فريق آخر .
المسألة ( 2 ) حاكمية الله والديمقراطية : يرى سماحة الشيخ الجمري ( رحمه الله ) بأن الحاكمية لله وحده لا شريك له ، وأن الإسلام الحنيف هو وحده الذي يمتلك الحلول الواقعية العادلة لجميع مشاكل الحياة ، وأنه يشكل حربا لا هوادة فيها ضد الظلم والاستبداد والاستكبار والتمييز والطائفية والإذلال والتخلف ، وأن الإسلام الحنيف قد أخذ بيد الفقراء والمستضعفين وقادهم في مواجهة الطغاة والمستكبرين والظالمين ، من أجل إقامة حياة العزة والكرامة والتقدم والازدهار التي تقوم على أساس العلم والعدل والإيمان ( تعاليم إسلامية . ص 19 ـ 20 ) ويرى بأن الإسلام لا ينسحب عن ميدان الحياة ، ولا يقف من المشاكل موقف المتفرج ، ويعتبر المواقف السلبية للمسلمين في الحياة ، مواقف غير إسلامية تقوم على تعطيل فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتعطيل كل المسؤوليات الشرعية والإنسانية الملقاة على عاتق كل إنسان مسلم تجاه الدولة والمجتمع ، أنتجها الابتعاد عن حقيقة الإسلام الحنيف وتعاليمه الجليلة ، وقد وجد الحاقدون على الإسلام فيها وسيلة للطعن في الإسلام ، ووجد فيها الطغاة والغزاة طريقا لتحقيق أهدافهم ومآربهم في العالم الإسلامي ، ويرى سماحته بأن العلاج الوحيد لاستعادة العزة والكرامة والسيادة والقيادة ، وتخليص المجتمع من كل يد أثيمة وفكر مضلل ونظام جائر ، يكمن في فهم رسالة الإسلام فهما كاملا صحيحا ، وتطبيق مبادئها تطبيقا كاملا ( نفس المصدر . ص24 ـ 27 ) والتمسك ـ بصورة جدية ـ بالحقوق وبالشراكة السياسية في صناعة القرار ، ويرى في ذلك خطوة نحو تطبيق الإسلام الحنيف والتمهيد لظهور القائم ( عجل الله تعالى فرجه الشريف ) ويرى بأن العدالة تحتاج دائما إلى قوة تقيمها وتحميها ، وكان ( عليه الرحمة ) يرفض أن يكون الأمن والاستقرار على حساب الحق والعدل والحرية وسائر الحقوق الأساسية للمواطنين ، ويدعو إلى الأمن والاستقرار المرتبط بالعدل والحرية وحفظ كافة الحقوق الطبيعية للإنسان وصيانة المكتسبات الوطنية وعدم التفريط فيها ، ويرى في ذلك السبيل لتنمية المجتمعات وازدهارها وتطويرها وتحقيق السعادة للإنسان ، وكان ( عليه الرحمة ) يحذر من الاكتفاء بالشعارات ، ويقول : ” الشعارات لا تحل المشاكل ” ويرى بأن المسلم لا يهمل نفسه لتكيفها البيئة التي يعيش فيها والمحيط الذي يندمج فيه ، ولا يستسلم للعاطفة لتكيفه حسب إرادتها ، ولا يترك المجتمع ومشاكله وهمومه بدون تدخل مسؤول ، بل يتكيف بالعقيدة وأحكام الشريعة المقدسة في جميع تصرفاته ، ويسعى مخلصا في حل مشاكل المجتمع وتحقيق أهدافه الإنسانية والإسلامية والوطنية النبيلة ، ويثبت وجوده كمسلم مسؤول يكافح الظلم والجور والتخلف والاستبداد والاستكبار ، ويعمل من أجل الارتفاع بمستوى حياة الناس في جميع المجالات على قاعدة الدعوة إلى الله عز وجل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ( نفس المصدر . ص37 ـ 39 ) وكان يركز كثيرا على الجماهير وبصورة خاصة الشباب ويحثهم على العمل وتحمل المسؤوليات العامة الدينية والوطنية ، حتى لا تكاد تجد له خطبة تخلو من ذكر الجماهير والشباب والاطراء عليهم وحثهم على العمل . ومن هذا المنطلق تحمل سماحته مسؤولية قيادة انتفاضة الكرامة الشعبية المباركة في التسعينات ، وقدم التضحيات الجسيمة في سبيل تحقيق الأهداف الإنسانية والإسلامية والوطنية النبيلة ، معتمدا في ذلك على الله جل جلاله والدعم الجماهيري غير المحدود لحركته المطلبية .
أما دعوته إلى الديمقراطية : فليس فيها أي تنازل عن رؤيته الإسلامية ، فهو يأخذ من الديمقراطية كونها أداة للمشاركة الشعبية في صناعة القرار ، وكأسلوب في مواجهة الظلم والجور والتفرد بالسلطة والتمييز والطائفية ، وإطار للعمل الوطني المشترك ، وليست كفلسفة تلغي الحكم الشرعي الرباني . وكان سماحة الشيخ الجمري يتطلع إلى المنافسة الشريفة بين المشاريع التي تتقدم بها كافة القوى السياسية لمعالجة القضايا على الساحة الوطنية في البرلمان ، وتعتمد على الكفاءة وليس على مجرد الانتماء ـ وهي القاعدة التي اعتمدها في قيادة العمل المشترك للمعارضة إبان انتفاضة الكرامة ـ يقول سماحته : ” لا يمكن الوصول إلى النتائج المرجوة إلا بإعلان البرامج والخطط بصورة علنية تسمح للرأي الآخر بالاعتراض والنقد بحرية تامة بلا تهميش ولا إبعاد لجميع الأطراف التي قد تتفق في نقطة وتختلف في نقطة أخرى فهذا الأسلوب في النهاية يصب في مصلحة الوطن والمواطن ” ويقول : ” فليس هناك أولويات مقدسة لا يمكن نقاشها أو رفضها إلا تلك الأولويات التي تستمد قدسيتها من قوة المنطق والدليل ” ( خطبة الجمعة بتاريخ : 9 / 3 / 2001م ) ولهذا أعلن بملىء الفم رأيه ( حينما وجد البرلمان الحالي فاقدا لهذه الفرصة ) بقوله : ” ليس هذا هو البرلمان الذي ضحينا من أجله سنة وشيعة ” .
المسألة ( 3 ) الوطنية : الإسلام هو الهم الأول والمنطلق الأساس في الحياة لدى سماحة الشيخ عبد الأمير ألجمري ( رحمه الله ) فكان يدعو إليه ويحث على الالتزام الكامل بتعاليمه ، ويعلن بأن منطلقاته في العمل السياسي هي منطلقات إسلامية ، وأن الصبغة الوطنية في المطالب السياسية والحقوقية التي يطالب بها ، تأتي استجابة للرؤية الإسلامية وليس خروجا عنها أو تسامحا فيها ، فهو يرى : بأن العدل والمساواة والإخاء بين جميع أبناء البشرية من مبادئ الإسلام الأصيلة ، فالتعاليم الإسلامية لا تقر الظلم والجور على أحد من البشر ـ مسلم وغير مسلم ـ ولا ترضى بسلبه أيا من حقوقه الطبيعية والمكتسبة المشروعة ، قول الله تعالى : { وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } ويرى في الأخوة والعدل والمساواة والتعاون طريقا إلى الاستقرار والتقدم والازدهار والعصمة من الفتن وإقامة الحياة الطيبة ( تعاليم إسلامية . ص57 ـ 59 ) ولهذا فإن سماحة الشيخ الجمري ( رحمه الله ) قد أكد التزامه بالمطالب الوطنية ونبذ المطالب الطائفية ( محاضرة في جمعية الاصلاح بتاريخ : 24 / 3 / 2001م ) وكان حقيقة لا يميز في الدفاع عن حقوق المواطنين بين شيعي وسني ، وبين مسلم وغير مسلم ، فالواجب الشرعي الذي يعمل به ، هو الدفاع عن حقوقهم جميعا بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية والمذهبية والفكرية والسياسية والحزبية ، ولهذا اصطبغت مطالبه بصبغة وطنية وفق رؤية شرعية إسلامية .
المسألة ( 4 ) العمل الوطني المشترك : يرى سماحة الشيخ الجمري بأن الاختلاف في الرأي ظاهرة طبيعية لا يخلو منها مجتمع أو جماعة أو تيار ، وحساب الناس على الله عز وجل في يوم القيامة ، والانفتاح والتعاون بين جميع الأطراف والقوى والتيارات الوطنية من أجل الخير والإصلاح أصل ثابت في الشريعة الإسلامية المقدسة ، قول الله تعالى : { وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبَرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } ويرى سماحته بأن المصلحة الإسلامية والوطنية تقع في الانفتاح والحوار والاستماع للرأي الآخر وحفظ حقوقه الإسلامية والوطنية وكرامته الإنسانية ، ويرى في العزلة بهدف حفظ الهوية وغيرها من المبررات الواهية حالة غير واقعية ، وهي تدل على قصر النظر والشعور بالضعف وعدم الثقة بالنفس أمام الآخر ، وينتج عنها تعطيل برامج العمل للقوى والجماعات العاملة على الساحة الوطنية أو التقليل من قيمتها وفاعليتها ، ووقوع خسائر مشتركة لجميع المواطنين ، وزيادة في الفساد والظلم والضلال ، وتؤدي إلى ضعف الأمة والشعب أمام أعدائهما وخصومهما ، ويرى بأن الانغلاق والتسلط والدكتاتورية والقمع ليست السبيل للقضاء على الرأي الآخر وإنهائه ، وإنما هي السبيل لظهور العنف والتطرف والانقسام والتناحر والخراب والدمار والفشل في تحقيق الأهداف ، ويرى بأن الانغلاق يعود لأسباب ، أهمها : الجهل والتعصب والأنانية ( أي : البحث عن المصالح الشخصية وإن كانت معنوية ، مثل : الشهرة والمكانة ) والحزبية والفئوية والطائفية ، حيث تكون الطائفة والفئة والحزب ومصالحهم معيارا للحق والمصلحة والصواب ، ورفض أي رأي آخر حتى لو كان حقا وصائبا في نفسه ومطلوبا حقيقة وواقعا من أجل المصلحة العليا المشتركة : الإسلامية والوطنية ، ويرى سماحته بأن هذا النمط من التفكير غير إسلامي ، وغير إنساني ، وغير واقعي ، ومضر بالمصالح العليا : الإسلامية والوطنية ، ويرى بأن الحركة الإسلامية الراشدة تنفتح على الآخرين بعد الدراسة والتخطيط ، وتقبل التيارات الأخرى وتمنحها الحق في العمل بطريقتها الخاصة وفق الضوابط العامة بعيدا عن الفئوية والطائفية والحزبية وغيرها من الأمراض السياسية والروحية ، وتحاورها وتتعاون معها في المشتركات من أجل المصلحة العليا المشتركة : الإسلامية والوطنية ، ولحساب العدالة الاجتماعية لكافة المواطنين ، مع الحفاظ على الهوية الدينية والمذهبية والحركية والالتزام بكافة ضوابطها الشرعية والتنظيمية ( محاضرة بعنوان الرأي ووحدة المصلحة بتاريخ : 9 / 12 / 2001م في بيت الزيرة ) وهو يرفض كل أشكال الوحدة والتعاون التي تأتي على حساب الحق والعدل والحرية والمصالح الأساسية : الإسلامية والوطنية ( محاضرة في جمعية الإصلاح بتاريخ : 24 / 3 / 2001م ) فالمطلوب ـ بحسب رأيه ـ وطنيا وإسلاميا : الانفتاح والحوار والتعاون بين كافة الفصائل والفعاليات المجاهدة والمناضلة من أجل مواجهة الظلم والاستبداد والاستكبار والتخلف ، فالنجاح ـ بحسب رأيه ـ لا يمكن أن يتحقق إلا بالتفاهم والتعاون بين جميع الأطراف الوطنية ، وكل برنامج عمل لأية جماعة أو تيار حكومي أو شعبي سيكون مصيره الفشل إذا لم تكن الوحدة الوطنية والإسلامية ركيزة أساسية فيه ( خطبة الجمعة بتاريخ : 9 / 3 / 2001م ) ويرى بأن الانجازات التي تحققت على الصعيد الوطني ما كان لها لتتحقق لولا التفاهم والتعاون بين جميع أطراف المعارضة على الساحة الوطنية .
ولكن بعض المؤمنين الأعزاء قد فهم ـ للأسف ـ رؤية سماحة الشيخ ألجمري وتوجهاته السياسية والعملية فهما خاطئا ، فرأى فيها تفريطا في الرؤية الإسلامية وفي الدعوة للإسلام الحنيف ، والحق أن الناس لم يفهموا ذلك ولا توجد لهذا الفهم حقيقة على الأرض ، حيث كان سماحة الشيخ ألجمري ( رحمه الله ) يدعو في خطبه ومحافله إلى الإسلام الحنيف وإلى مكارم الخلاق ويحذر من المعصية ومن النتائج الوخيمة للتفسخ الخلقي ويكشف عن منطلقاته الإسلامية للعمل بكل صراحة ووضوح . وفي ظل الاهتمامات السياسية والعملية لسماحة الشيخ ألجمري ورفقاء دربه ودعوتهم إلى الله سبحانه وتعالى وإلى العمل الصالح ، فقد نمى الحس الإسلامي لدى الجماهير ، وامتلأت المساجد والمآتم بروادها من المؤمنين ، وتكونت المواكب الألوفية ، ولم تتكون قبل الانتفاضة ولا بعدها ، وتحولت السجون إلى مدارس وصوامع ومحافل إرشاد وتوجيه من قبل السجناء رغم أنف السجان ، ونجحت الانتفاضة في هداية وإصلاح الكثير من الشباب الذين عجزت الخطب والحوارات النظرية المطولة عن هدايتهم وإصلاحهم ، لأن الناس وجدوا في الإسلام الحنيف من خلال رؤية سماحة الشيخ ألجمري وتوجهاته السياسية والعملية منهج حياة متحرك يرتبط بقضاياهم وهمومهم ويعالجها معالجة واقعية : مادية وروحية ، ولم يجدوه مجرد خطاب منبري أو حالة صوفية معزولة عن واقع الحياة وقضايا الناس وهمومهم في الحياة .
أيها الأحبة الأعزاء
أكتفي بهذا المقدار
واستغفر الله الكريم الرحيم لي ولكم
واعتذر لكم عن كل خطأ وتقصير
واستودعكم الله الحافظ القادر من كل سوء
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى