لقاء الثلاثاء (75) | 18-1-2011

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد واهل بيته الطيبين الطاهرين وأصحابه المنتجبين.

من آداب المعاملة السياسية مع الآخرين في الإسلام

بدأ الأستاذ عبد الوهاب حسين حديثه الفكري في مجلسه لهذا الأسبوع حول جوانب من آداب المعاملة السياسية مع الآخرين في الإسلام، فتلى قول الله تعالى: )وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ(([1]) وقال:

  • النقض: إفساد ما أُحكم، وهو يقابل الإبرام.
    • والأنكاث: حل الشيء بعد إبرامه.
    • والدخل: ما يدخل في الشيء ليفسده، وكل ما دخل في الشيء وليس منه، وأن يظهر الإنسان الوفاء ويبطن الخيانة.
    • وأربى: أكثر وأقوى.
    • ويبلوكم: يمتحنكم.

وقال: التي نقضت غزلها ـ كما يذكر علماء التفسير والحديث ـ امرأة من قريش في الجاهلية، اسمها: (ريطة بنت عمرو بن سعد بن كعب بن تميم بن مرة) وتعرف بخرقاء مكة، كانت مصابة بالوسواس، فكانت تغزل الصوف ـ وهي عملية شاقة ودقيقة ـ مع جواريها في الصباح، ثم تأمر جواريها بنقض ما غزلن في المساء، هكذا هي كل يوم، وما كانت تقوم به يعدُّ عملاً أخرقًا يدلُّ على حالة نفسية مريضة.

وقد شبّه القرآن الكريم في الآية الشريفة المباركة من ينقض العهد مع الآخرين بتلك المرأة الخرقاء التي تغزل ثم تنقض غزلها، وهذا يدل على:

  • أن نقض العهود هو عمل أخرق ويعكس حالة مرضية لدى ناكث العهد.
  • وأنه يهدد بنيان المجتمع والدولة.

وقال: لن أتحدث عن نقض العهد بالنسبة إلى الأشخاص العاديين، وإنما سأتحدث عن نقض العهد كممارسة سياسية.

وقال: الغاية من العمل السياسي في الأصل هو الإصلاح والتنمية وإيصال الإنسان إلى سعادته في الدنيا والآخرة، إلا إنّ العمل السياسي قد يتلوث بالكثير من العناصر الخبيثة التي تفسده وتحرفه عن غايته الحقيقية، ومن العناصر الخبيثة التي تفسد العمل السياسي وتحرفه عن غايته:

  • التنكّر للقيم والمبادئ.
    • ونقض العهود والمواثيق مع الغير.

وقد أشارت الآية الشريفة المباركة إلى سببين لنقض العهد:

(1): ملكة الغدر والخيانة في النفس، قول الله تعالى: )تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ( حيث إنّ ناكث العهد والإيمان يُعطي العهد والإيمان للناس ليثقوا به، ويطمئنوا إليه، ثم ينقلب عليهم بعد ذلك من أجل مصالحه، وذلك لخبث نفسه وسوء سريرته، وتنكّره للقيم، وعدم خوفه من الله العزيز الجبار والآخرة.

 (2): تغيّر ميزان القوة، قول الله تعالى: )أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ( فهو يميل إلى القوي ويغدر بالضعيف من أجل التمكّن والحصول على المصالح، أو يميل إلى الغدر والتنكّر إلى الأحكام والقيم والمبادئ تحت تأثير الشعور بالقوة في النفس وضعف الآخر، وهذا يدل على ضعف النفس والإرادة، وعدم القدرة على الصمود أمام المغريات ومشتهيات النفس الأمارة بالسوء.

وقال: تبين الآية الشريفة.

(1): إنّ الوفاء بالعهود هو مما يبتلى به الإنسان في الحياة، لتظهر حقيقته وكرامته وإرادته.

  • ليعلم الله جل جلاله ألمهتدين الطيبين الصادقين المخلصين له، الذين يطيعونه باختيارهم فيتمسكوا بحبل الوفاء والقيم والطاعة له.
  • وليعلم الضالين الخبيثين الكاذبين المرائين، الذين يعصونه باختيارهم فيغتروا بما يمتلكون من القوة، وما يظنون أنهم يتمتعون به من الذكاء والفطنة، فيلجؤوا بجهالتهم إلى الخيانة وخديعة الناس وخيانتهم من أجل مصالحهم الدنيوية، غافلين عن الله عز وجل، وعن سوء عاقبة أعمالهم الخبيثة في الآخرة، قول الله تعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا(([2]).
  • فالإنسان في هذا المقام أمام.
  • فرصة الاستقامة على الدين الحنيف والقيم والمبادئ، مما يدل على صدق الإيمان والاخلاص في النية لله سبحانه وتعالى، وفيه تنتصر إرادة الخير والتقوى، على إرادة الشر والفجور، وهذا يحتاج إلى الصبر والثبات، قول الله تعالى: )مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ(([3]).
  • أو التكالب على الدنيا والتشبث بمصالحها التافهة الحقيرة، وطلب العز والغلبة بالخيانة ودحض الحق والتنكر للأحكام الشرعية وللقيم والمبادئ ونقض المواثيق والايقاع بالناس وخداعهم، اتباعا للهوى وشهوات النفس والشيطان الرجيم، وهو يدلُّ على خبث النفس وسوء السريرة وضعف الإرادة والغفلة عن الله العزيز الجبار والآخرة.

 (2): إيكال أمر الاختلافات التي تنشب بين الجماعات إلى الله سبحانه وتعالى حيث يفصل بينهم بشأنها في يوم القيامة، ويجازي كلاًّ بما يستحق من الثواب والعقاب ـ بحسب حقيقة العمل لا بحسب ظاهره ـ وفي ذلك اليوم.

  • تتحوّل الفرص المتلقفة والمصالح المؤقتة الحقيرة إلى غصة وهلاك للنفس.
  • وتتحوّل شهوات النفس الأمارة بالسوء إلى لهب يحرق الجوف والأحشاء.
  • ويتحوّل الصدق والإخلاص والوفاء إلى نعيم ورضوان وروح وريحان وسعادة في جنة الفردوس.

وقال: سأشير إلى بعض الدلالات التي تضمنتها الآية الشريفة، ثمّ إلى بعض الدروس الأساسية المستفادة.

أولاً ـ بعض الدلالات التي تضمّنتها الآية الشريفة:

(1): الأمر بالتقوى والوفاء بالعهود واحترام القيم الإنسانية العليا في المعاملة مع الآخرين، حتى مع المخالفين في الرأي والعقيدة، قول الله تعالى: )وَلَوْ شَاء اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(([4]).

  • فالاختلاف له أسبابه (راجع محاضرة آداب الاختلاف).
  • والوفاء بالعهد والالتزام بالقيم والمبادئ يجب أن يبقى مكفولا مع الجميع.
  • وقال: الوفاء بالعهد والالتزام بالقيم والمبادئ من الأمور الفطرية الطيبة ومن محاسن الأخلاق وله ثمار طيبة، منها.
  • تطهير النفوس وتزكيتها.
  • النظافة في العلاقات وتعزيز الثقة والروابط الاجتماعية.
  • تحقيق الأمن والاستقرار والمنعة والقدرة والتقدم والازدهار في المجتمع.

(2): النهي عن اتباع الأساليب الملتوية، ومن أن يجعل الإنسان ثقة الناس به وسيلة للغدر والخيانة والخديعة وإخراج الناس عن مقاصدهم الحقيقية في الحياة إلى خيارات خاسرة من أجل مصالح خاصة دنيوية تافهة وحقيرة.

وقد أوضحت الآيات التالية للآية موضوع الحديث النتائج الخطيرة لنقض العهد، قول الله تعالى: )وَلاَ تَتَّخِذُواْ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُواْ السُّوءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ اللهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ(([5]) وهي:

(أ): )فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا( فنقض العهد يزلزل العقيدة في قلب الإنسان وينذر بزوالها.

(ب): )وَتَذُوقُواْ السُّوءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ اللهِ( ونقض العهد يؤدي إلى مشاكل كثيرة في الحياة، منها:

  • تشويه صورة الدين الحنيف في أذهان الناس ويبعدهم عنه.
  • فقدان الثقة بين الناس، مما يؤدي إلى تقطيع الروابط الاجتماعية، وتشتيت الصفوف.
  • الضعف وفقدان القدرة والفاعلية والهلاك، يقول سلمان الفارسي: “تهلك هذه الأمة بنقض مواثيقها”([6]).

(ج): )وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ( ونقض العهد يؤدِّي إلى العذاب في الآخرة.

(3): إنّ نقض العهد يعكس حالة نفسية مريضة، ويدلُّ على ضعف الرأي والإرادة، وسقوط الشخصية والانحطاط في السلوك، والخضوع لهوى النفس والشيطان، ونسيان الله العزيز الحكيم والآخرة، وهو أمر قبيح عقلاً وشرعًا، ومناهض للفطرة السليمة، ومخالف للحكمة، ولشدّة قبحه، ولكثير بعده عن الفطرة السليمة، لا يفعله إلا الشواذ من الناس.

(4): إنّ الإسلام الحنيف يرفض كل عهد وتعاون يقوم على غير البرِّ والتقوى والعمل الصالح، فهو يرفض كل تعاون مخالف للدين الحنيف والقيم والمبادئ، وكل تعاون يضر بمصالح الناس وحقوقهم.

(5): إنّ النجاح الحقيقي في الابتلاء يكون:

  • بالصبر على الأذى في حالة الضعف والحصار وقلة الحيلة، وعدم الجزع والميل عن الحق والصواب والعدل والخير تحت تأثير الضغط والإرهاب.
  • والالتزام بالعهد والقيم والمبادئ في حال القوة والاستطاعة، وعدم الوقوع في سقطة الغرور بالقوة والكثرة ونحوها.

ثانيًا ـ بعض الدروس الأساسية المستفادة:

(1): أن يكون الإنسان مبدئيًا في أطروحاته وسلوكه ومواقفه.

(2): إنّ المكاسب التكتيكية والنصر المؤقت إذا كانت على حساب القيم والمبادئ والأهداف الاستراتيجية فهي خسارة حقيقية، وليست ربحًا ولا فوزًا إلا في حساب الجهلة والمغفلين.

(3): يجب على الإنسان أن يحدّد غايته العظمى في الحياة، ثم يخطّط بشكل دقيق ومحكم لخياراته الأساسية بما يصب في خدم تلك الغاية بشكل منطقي صحيح، وأن يلتزم بالطاعة لله عز وجل، وبالقيم والمبادئ، لكي يكون من الفائزين المفلحين، وأن يحذر من النفس الأمارة بالسوء، ومن الشيطان الرجيم، ومن الضعف أمام المغريات والتهديدات، ونحوه.

(4): الحذر من الممارسات العبثية التي لا تعود عليه بالنفع في دنياه وآخرته، ومن الأطروحات والمواقف والخيارات والأعمال التي تنقض الغايات والأهداف الاستراتيجية، مثل:

  • الانشغال بالمال وزخارف الحياة الدنيا عن الله ذي الجلال والإكرام والآخرة.
  • مسايرة الحكومات الجائرة على حساب الحريات والحقوق.
  • مجاملة الأشخاص على حساب الحق والعدل ومصالح العباد الحيوية والجوهرية.
  • هدم المبادئ بالمصاديق الخاطئة.
  • الانشغال بالكم على حساب النوع والحقيقة.
  • والتواضع الزائف الذي يمنع الإنسان عن النهوض بالمسؤوليات الكبيرة التي ينبغي عليه القيام بها، قول الله تعالى: )وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ` أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا(([7]) فلا يصح تحت عنوان التواضع أن يتخلى الإنسان عن مسؤولياته الكبيرة، فإن عظمة الإنسان تستمد من عبوديته لله ذي الجلال والإكرام، وحمل أمانة التكليف، وتحمل ما يترب عليها من مسؤولية كبيرة في الحياة، قول الله تعالى: )إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا ` لِيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا(([8]) مما يؤهله لأن يكون أمة ويقف أمام الجميع وحده شامخا كالجبل الذي لا تهزه الريح، قول الله تعالى: )إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلهِ حَنِيفًا وَلَمْ يكح مِنَ الْمُشْرِكِينَ ` شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ(([9]).

(5): الحرص على اتقان الأعمال لكيلا يضطر الإنسان إلى نقضها بعد الجهد الصعب المبذول فيها، وعلى الاقتصاد وعدم تضييع الجهد والطاقات والمواهب والأموال فيما لا فائدة فيه.

(6): الحذر من الأعمال والخيارات التي تضيع المكاسب وتهدم الانجازات، وفي مقدمة المكاسب العقل والفطرة السليمة، فلا يضيعها بالكفر والانسلاخ عن الدين، قول الله تعالى: )وَالْعَصْرِ ` إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ` إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ(([10]) ومن الأعمال التي تضيع المكاسب: الرياء الذي يفسد الطاعات، والذنوب التي تذهب ببركتها. وفي السياسة: لا يصح القبول بالخيارات التي تضيّع المكاسب الجوهرية التي نجح الشعب في تحصيلها بتضحياته العظيمة وتهدم إنجازاته السياسية والحضارية والتنموية وغيرها.

الدروس من تجربة تونس

وبخصوص تجربة تونس، قال: كل مسؤول يثبت أنّ الفساد بالنسبة إليه سلوك وليس مجرّد خطأ ساعة، لا يجوز أن يبقى في منصبه في ظلِّ أيّة عملية إصلاح، وإذا بقي في منصبه فهذا يعني أنّه لا إصلاح حقيقي.

وقال: يجب أن نميّز بين الخطأ في ساعة وبين كون الفساد سلوك ثابت لدى المسؤول (ملكة)، فإنّ خطأ الساعة يُغتفر لأنّ الإنسان ليس بمعصوم، ولكن أن يكون الخطأ سلوك (ملكة) فهذا لا يُغتفر، ويجب أن يُقصى هذا المسؤول الفاسد من منصبه في أية عملية إصلاح حقيقية.

وقال: ما يجري في تونس حاليًا هو عملية التفاف على إرادة الشعب وسعي لمصادرة نتائج تضحياته العظيمة، فلا يُعقل أن يتولّى أركان العهد السابق قيادة الدولة بعد الثورة، فما يحدث الآن هو إعادة إخراج وتشكيل للنظام السابق، بهدف الالتفاف على إرادة الشعب، ومصادرة نتائج تضحياته العظيمة.

وقال: إنّ تجربة الثورة في تونس أثبتت أهميّة دور الجماهير والقوى التي تعمل خارج الأطر الرسمية، وأنّه يمكن أن يتقدّم على دور الرموز والقيادات والقوى السياسية التي تعمل ضمن الأطر الرسمية، فقد تقدّم دور الجماهير والقوى التي تعمل خارج الأطر الرسمية مسافة فراسخ عديدة على دور الرموز والقيادات والقوى السياسية التي تعمل ضمن الأطر الرسمية، التي غابت عن المشهد في بدايته، وظهر دورها متأخِّرًا، وسعت لوضع يدها على الحصاد.

وقال: يجب أن نتعلّم من هذه التجربة بألاّ نتجاهل دور الجماهير والقوى التي تعمل خارج الأطر الرسمية، مع التأكيد على أهمية دور الرموز والقيادات، وإنّ غياب الرموز والقيادات القوية في حركة الجماهير من شأنه أن يسمح للمتسلّقين بوضع اليد وسرقة حصاد التضحيات الجسيمة للجماهير، وهذا هو الخطر القائم حاليًا بعد الثورة الشعبية في تونس، وهذا ما حدث للشعب السوداني بعد الإطاحة بنظام جعفر النميري، والأمر يختلف كثيرًا بالنسبة إلى ثورة الشعب الإيراني، حيث كان وجود الإمام الخميني العظيم (قدّس سرّه الشريف) الضمانة لحفظ حصاد تضحيات الشعب الإيراني العظيمة في ثورته المباركة على نظام الشاه والإطاحة به، ووضعها في مكانها الصحيح المتمثل في إقامة الجمهورية الإسلامية في إيران التي كانت ولا تزال تعبر عن إرادة الشعب وتطلعاته بقيادة الولي الفقيه، وقد نجحت في تحقيق الكثير من طموحات الشعب الإيراني في العدالة والتنمية والازدهار والتقدم.

وفي البحرين نجح سماحة الشيخ عبد الأمير الجمري (رحمه الله تعالى) وأصحابه في التقاط الزمام أثناء انتفاضة الكرامة المباركة، وانتهى الأمر بالتصويت على ميثاق العمل الوطني، ثم حدث الانقلاب على الميثاق والدستور العقدي في ظلِّ قياداتٍ جديدة، ولم تحدث ردود الفعل المطلوبة، ودخلت معظم قوى المعارضة في العملية السياسية، وأصبحت نتائج الانقلاب أمرًا واقعًا مفروضًا على الشعب، وشذّت عن ذلك ثلّة من المواطنين، وقد نجحت في تحريك المياه الراكدة، وتمخّض عن ذلك الهجمة القمعية الشرسة الأخيرة، التي فتحت الباب من جديد للإصلاح.

وبخصوص دور الأطراف الإقليمية والدولية في ترتيب الوضع الجديد في تونس، قال: لا شكّ في دور الأطراف الدولية والإقليمية في ترتيب الوضع الجديد في تونس، وإنّ بعض الأطراف الإقليمية ـ لاسيما دول الجوار ـ والدولية سوف تضغط في سبيل ترتيب الوضع الجديد في تونس بالشكل الذي ينسجم مع وضع هذه الأطراف وخياراتها ومصالحها، ولكن هذا لا يعني تخلّي الشعب التونسي عن خياراته التي تُعبِّر عن إرادته الدينية والثقافية والسياسية، وتضمن استقلاليته ومصالحه الحيوية.

وقال: يوجد على الصعيد الإقليمي والدولي محاور، وعلى الشعب التونسي أن يختار مع أي محور يكون، هل يختار على المستوى الإقليمي المحور الصهيو/ أمريكي، أو يختار محاور المقاومة والتحرير، ورغم ما يملكه المحور الصهيو/ أمريكي من إمكانيات ضخمة، فإنّ نجمه إلى أفول، وإنّ محور المقاومة والتحرير رغم ما يتعرّض له من ضغوط وحصار وخسائر فادحة على طريق المقاومة والتحرير، فإنّه رمز الشرف والنخوة والكرامة في هذه الأمّة، ونجمه في بزوغ، وسوف يكسب المعركة في نهاية المطاف لا محالة.

وقال: لا شكَّ أن اختيار الشعب التونسي للمحور الذي يريد أن يكون معه سوف يؤثِّر بشكل مباشر على ترتيب الوضع الجديد في تونس، ولو اختار الشعب التونسي أن يكون مع محور المقاومة والتحرير، وهو المحور الذي يتناسب مع تراثه وتاريخه، فسوف يتعرّض إلى ضغوط هائلة، ولكنّي أعتقد بأنّه الخيار الصحيح لهذا الشعب العربي المسلم الغيور، وإنّ رموز النظام السابق الذين يعملون على إعادة تشكيل الوضع بحيث يكون التغيير شكليًا، يسعون إلى أن تبقى تونس مع خياراتها السابقة القريبة جدًا من المحور الصهيو/ أمريكي، وهذا ما تريده لها معظم دول الجوار.

وبخصوص القراءات المتفائلة في بداية العهد الجديد في البحرين، قال: لم تبتعد تلك القراءات عن القراءة العلمية الواقعية، لأنّ كلَّ المؤشرات في ذلك الوقت كانت تدلُّ على أنّ تراجع السلطة عن الإصلاح هو خلاف الحكمة والمصلحة الخاصة للسلطة والمصلحة العامة للشعب، وقد ثبت بحكم النتائج المتحرّكة على الأرض في الوقت الحاضر، بأنّ التراجع هو بالفعل مخالف للحكمة ومضرٌّ بمصلحة السلطة وبمصلحة الشعب، إلا أنّ المعارضة في بداية العهد الجديد اتبعت ـ للأسف الشديد ـ سياسية الإغراء للسلطة بالخطأ، وقد بيّنتُ ذلك بالتفصيل في مناسبات سابقة، مما حمل البعض على تطمين السلطة بأنّ المعارضة سوف تحتجُّ كلاميًا ثم تقبل عمليًا بالأمر الواقع، وهذا ما حدث بالفعل، حيث دخلت معظم قوى المعارضة في العملية السياسية بعد احتجاجات كلامية واسعة، وكادت نتائج الانقلاب تثبت على الأرض، لولا وجود ثلّة من المواطنين ـ سياسيين وحقوقيين ـ رفضوا نتائج الانقلاب، وتابعتهم قوافل من الجماهير الشجعان، وقاوموا وضحّوا جميعًا، ولا يزالون، وقد تعرّضوا إلى الهجمة القمعية الشرسة الأخيرة بهدف القضاء عليهم وإسكات صوتهم، إلا أنّ الكيد عاد إلى نحور غيرهم، ونجحوا في فتح باب الإصلاح من جديد، والله دائمًا مع المتّقين الصابرين.

وبخصوص مكاسب السلطة، قال: إنّ المكاسب الماديّة التي حصل عليها القائمون على السلطة في العهد الجديد ـ رغم ضخامتها ـ هي في حقيقتها، مثل: من يكثر الطعام حتى التخمة، ثم يصاب بمرض السكري الذي يخرب أجهزة جسمه وأعضائه، فينتهي به إلى الهلاك.

وبخصوص ما كسبته السلطة من مشاركة بعض قوى المعارضة الأساسية في العملية السياسية، بالإضافة إلى التحشيد الطائفي ضد قوى المعارضة، قال: هذه سدود من شأنها أن تؤجِّل التغيير، ولكنّها لن تمنعه، وله مثيل في تونس، ولكن إذا بلغ السيل الزبى فسوف تتهدّم هذه السدود، ويجرفها السيل معه إلى المجهول.

وبخصوص استثمار الحدث، قال: لم يدخل تيار الوفاء الإسلامي في التسابق للتفاعل الشكلي مع الحدث، وذلك جريًا على منهجه في بث الوعي المحرِّك والباني للواقع، وليس طرح التصوّرات والأفكار التي تحلِّق في الفضاء. والتيار يُسلِّم بحاجته للدخول على خط القضايا الإسلامية والإقليمية لبناء الجسور مع المحيط، ولم يزهد فيها أو يتخلى عنها، إلا أنّه يعطي الأولوية للداخل، ويعتبر الداخل لكل شعب من شعوب المنطقة هو نقطة الانطلاق الحقيقية للإصلاح على الصعيد القومي والإسلامي. وقد عبّر التيار عن رأيه بخصوص الحدث العظيم في تونس، وهو يدعم الفعاليات التضامنية مع الشعب التونسي، ويدعو المواطنين الكرام للمشاركة الفاعلة فيها، وسوف يشارك هو أيضًا بمقدار ما يتاح إليه.

قضية المحامين المنتدبين

وبخصوص قضية المحامين المنتدبين، قال: لقد بدأت جمعية المحامين بالتحرّك، وهذا شيء تشكر عليه، ونأمل أن يكون تحركها بمستوى الأزمة، وجمعية المحامين تحتضن ثلّة من المحامين الوطنيين الأحرار الذين هم من خيرة المحامين، ولبعضهم تاريخ نضالي معروف، وللجمعية مواقف مهنيّة مشرفة تحسب لها مهنيًّا ووطنيًّا.

وقال: يعتبر موقف المحامين الأحرار الذين تنحّو والذين اعتذروا موقفًا مهنًا يصبُّ في خدمة العدالة، إلا أنّه أصبح من الناحية الواقعية جزءً أساسيًا جديدًا في المعادلة السياسية، وصورة وطنيّة مشرّفة جدًا.

وقال: أنصح المحامين المنتدبين بالتنّحي، فالموقف له أبعاد عديدة على أصعدة مختلفة، وله تباعات ينبغي حسابها بشكل دقيق ومحكم، فالقبول بالترافع عن المتهمين بخلاف رغبتهم، وفي ظلِّ المعطيات والوقائع الحالية، يُعتبر:

  • مخالفة للدستور والقانون بحسب رأي كبار المحامين في البلد.
  • وناقض لشرف المهنة، وقد وصفت المحامية القديرة جليلة السيد من يقبل المهمة بالسواقط لأنهم بقبولهم المهمة يُسقطون شرف المهنة.
  • المساهمة مع السلطتين: (التنفيذية والقضائية) في ظلم مؤكّد لمناضلين شرفاء هم من خيرة أبناء الوطن كانوا يعملون من أجل حصول المواطنين على حقوقهم العادلة، وتثبيت قواعد الأمن والاستقرار والعدالة والتنمية في البلد، ومناصرتهم واجبة إنسانيًا ودينيًا ووطنيًا، وأعتقد بأنّ القبول بالترافع عنهم بدون رغبتهم في ظل تنحّي واعتذار هذا العدد الضخم من المحامين الأحرار لعلمهم بالخلل الظاهر في إجراءات المحاكمة، وتوجّه القضاء نحو إدانة المتّهمين بحكم سياسي مسبق، لهو تواطئ مع السلطة في ظلمهم وإدانتهم بغير وجه حق، وهو يرقى فيما أعتقد إلى مستوى الجريمة المهنية، مثل المهندس الذي يتساهل في المقادير المطلوبة في البناء بحيث يؤدي التساهل فيها إلى سقوط البناء على ساكنيه، فيكون قد ارتكب جريمة مهنية يجب أن يعاقب عليها، وكذلك الطبيب الذي يقصر في عمله بحيث يوقع ضررًا كبيرًا على المريض، فيكون قد ارتكب جريمة مهنية يجب أن يعاقب عليها، وحال المحامين المنتدبين الذين يقبلون المهمة في ظل الظروف والملابسات المحيطة بالقضية، يرتكبون جريمة مهنية ـ بحسب ما أعتقد ـ لأنّهم تصرّفوا بما يضر بالعدالة ويوقع الضرر المؤكّد على المتّهمين، وهذا ما يجب أن يُحاسِب عليه القانون، وليس تأديب المحامين الأحرار الذين اعتذروا .
  • إنّ نتائج هذه المحاكمة الجائرة لو استمرّت فسوف تنعكس سلبًا على الأوضاع العامة في الساحة الوطنية وحقوق المواطنين.

وقال: لهذه الأسباب أنصح المحامين المنتدبين بالانسحاب، وأنصح وزير العدل بالعدول عن قراراته الإدارية، والعمل على إعادة المياه إلى مجاريها الطبيعية بشأن القضية وسير المحكمة.

وبخصوص ما أُشيع من طلب وزير العدل من النيابة العامة استدعاءه، قال: هذا رأيي، ولن أتراجع أو أعتذر عنه ـ إلا إذا ثبت أنّه أجحف بحق أحد ـ فأنا مؤمن به، ولدي الاستعداد لتحمّل جميع المسؤوليات المترتِّبة عليه.

وبخصوص ما ذكرته المحامية جليلة السيد في ندوة وعد، بأنّه مستهدف من السلطة، قال: لست زاهدًا في الكأس الذي تجرّعه أحبتي من الشهداء والمعتقلين.

مسائل متفرقة

(1): وبخصوص إدارة السلطة للأزمة الحالية، قال: يجب التمييز بين إدارة الأزمة، والإدارة بالأزمة، فالسلطة لجأت إلى أسلوب الإدارة بالأزمة في إحداث الأزمة الأمنية الحالية، وذلك لمواجهة صوت الممانعة في ظل قلقها المتزايد من عزوف أبناء الشعب عن صناديق الاقتراع وسعيها للقضاء عليه، إلا أنّها فشلت ووقعت في أزمة مستحكمة لم تعرف كيف تخرج منها، وقد أدركت حاجتها الضرورية للحل السياسي لكي تخرج من هذه الأزمة، وهذا ما ينبغي على قوى المعارضة أن تدركه بشكل جيد وتحسن التصرف إزاءه، وقد أوضحت وجهة نظري فيما هو مطلوب من المعارضة بشأن الحل السياسي.

 (2): وبخصوص إنتاجية قرار المقاطعة، قال: الأزمة الحالية دليل على قوة قرار المقاطعة وإنتاجيته، ولولا ذلك لما خلقت السلطة هذه الأزمة الكبيرة.  

 (3): وبخصوص طلب بعض المواطنين من النواب عرض قضية المعتقلين في المجلس، قال: من حق كل مواطن أن يعبِّر عن رأيه، ويتحّرك في خدمة القضايا الوطنية وفق قناعاته الخاصة، وليس لأحد الحق في أن يمنعه من ذلك ما دام لم يخرج عما هو حق له.

وقال: ما هو مطلوب لاستجواب وزيري: العدل والداخلية في البرلمان موجود، والمفقود حتى الآن هو القرار، ورغم يقيني بعجز أدوات البرلمان، إلا أنّ الاستجواب ـ إلى جانب الأنشطة الأخرى في خارج البرلمان ـ لو حدث سيكون مفيدًا.

(4): وبخصوص المبادرات الشعبية للتضامن مع المعتقلين، قال: نحن نبارك كل مبادرة شعبيّة سلميّة للتضامن مع المعتقلين وللمطالبة بالحقوق العادلة، وندعو بشكل خاص في الوقت الحاضر إلى إقامة الأمسيات الدعائية بشكل واسع، ونشكر فضيلة الشيخ علي بن أحمد (حفظه الله تعالى) على زياراته التضامنية لعوائل المعتقلين، وندعو القوى السياسية للقيام بأنشطة سياسية وجماهيرية مشتركة، وندعو الجماهير لحثِّهم على ذلك، والتفاعل مع ما يقومون به من أنشطة تضامنية ومطلبية.

(5): وبخصوص الأولويّة لنقد القيادة أو لطاعتها، قال: بعد الاطمئنان إلى سلامة المنهج والخيارات وكفاءة القيادة ينبغي الحث على طاعتها، والدعوة إلى الطاعة بدون هذا الاطمئنان يكون كالدعوة إلى الجد في السير قبل الاطمئنان إلى صحة الوجهة والطريق. وقد سبق الحديث في الأسابيع الماضية حول العلاقة بين نتائج التفكير وبين منهجه، وبين نتائج العمل وبين منهجه، والتأكيد على ضرورة الاطمئنان إلى سلامة المنهج قبل التفكير وقبل العمل، وهذا الكلام عام للجميع، وليس خاص بطرف دون آخر.


([1]) النحل: 92.

([2]) النساء: 94.

([3]) النحل: 96.

([4]) النحل: 93.

([5]) النحل: 94.

([6]) مجمع البيان.

([7]) الفرقان: 74 ـ 75.

([8]) الأحزاب: 72 ـ 73.

([9]) النحل: 120 ـ 121.

([10]) العصر: 1 ـ 3.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى