طلب السحرة الأجر على عملهم من فرعون

<فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِين 41 قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِين>

وفي ساحة المنازلة، توجه السحرة إلى فرعون بالقول: <أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الغالبين>[1] أي: قد علمت يا فرعون أنه ليس في الدنيا من هو أسحر منا، وإننا نحن الظاهرون والمنتصرون على موسى (عليه السلام) قطعاً في هذه المبارزة، فهل لنا من مكافأة على ذلك فقد كان السحرة واثقين من انتصارهم وظهورهم بالسحر على موسى الكليم (عليه السلام) إذا كانت المسألة مسألة سحر وليست معجزة تقف وراءها قدرة إلهية غير محدودة حيث لا قبل لهم بها بما هم سحرة، فالسحرة كانوا يميزون بوضوح تام بين السحر والمعجزة، وعليه: سألوا فرعون وساوموه على الأجر الجزيل والثواب العظيم من مال ونحوه جزاء عملهم وانتصارهم على موسى وهارون (عليه السلام) والقضاء على الخطر والتهديد المحدقين بالنظام والحكومة، وكانوا يحلمون كثيراً بجائزة كبرى، فقالوا له: ما لنا عندك جزاء عملنا؟

ولأن فرعون كان قلقاً جداً ومضطرب البال وفي طريق مسدود وفي غاية الخوف على نظامه وملكه، فقد كان مستعداً لأن يمنح السحرة الكثير من المكافأت والامتيازات إذا هم انتصروا على موسى وهارون (عليه السلام)؛ لأنه كان يرى في هذا الانتصار طوق النجاة لنظامه المشرف على الانهيار ولملكه المشرف على الزوال إلى الأبد، فأجابهم بالرضا والقبول، فقال: <نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ>[2] أي: وعدهم والتزم لهم بأكثر مما طلبوا ورغبوا فيه، فقد وعدهم بأن يمنحهم أجراً كبيراً على عملهم، وأضاف على ذلك: وعدهم بأن يجعلهم من المقربين من ساحة الملك، حيث يعتبر التقرب من فرعون وساحة ملكه التي هي مصدر القدرة والامتيازات في ذلك المحيط والنظام الفرعوني في غاية الأهمية، بحيث يعد أجراً عظيماً وكسباً نوعياً متميزاً جداً، ذلك يتطلب أن يحدث فرعون تغييراً في النظام الطبقي في الدولة والمجتمع، بحيث يجعلهم وفقاً للتغيير الجديد في مكانة ومنزلة أرفع من مكانتهم ومنزلتهم السابقين، وأن يجعلهم مقربين منه أكثر و أصحاب امتيازات دينية ومدنية أكبر.

وهذا التغيير في النظام الطبقي ورفع منزلة السحرة فيه وتقريبهم من ساحة الملك، أكثر إغراءً لهم من المال؛ لكي يزداد نشاطهم، وتكبر همتهم، ويأتوا بكل مقدورهم، ويبذلوا أقصى جهودهم في معارضة ما جاء به موسى الكليم (عليه السلام) والانتصار عليه؛ لأن النفس تميل في العادة إلى الجاه والمكانة والمناصب أكثر من المال، والإنسان قد يبذل الكثير من ماله رياءً وسمعة من أجل الجاه والمنصب والمكانة والسلطة والأمر على الناس، وعليه: فإن يصل المرء إلى مقربة من ساحة الملك ونفسه يعد أجراً عظيماً جداً في النظام الملكي الفرعوني، ويعتبر ذلك الأجر الفرعوني للحسرة اعترافاً منه بعظيم الخطر الذي يشكله موسى الكليم (عليه السلام) ودعوته على النظام والحكومة، وعظيم الخدمة التي يقدمها السحرة للنظام والحكومة ولذات فرعون بانتصارهم على موسى (عليه السلام)، يستحقون عليها الأجر النوعي العظيم.


المصادر والمراجع

  • [1]. الشعراء: 41
  • [2]. الشعراء: 42
المصدر
كتاب اللامنطق في الفكر والسلوك - الجزء الثاني | أستاذ البصيرة عبدالوهاب حسين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى