جمع السحرة والحشد الإعلامي للمبارزة

<فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ 38 وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ 39 لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِين>

عمل فرعون بما اقترحه عليه حاشيته وأهل مشورته، فلما أصبح أرسل أعوانه من ضباط الجيش وجنوده إلى مدائن مصر كلها يجمعون له كل ساحر عليم حاذق في فنون السحر وعالم بأسراره وخباياه ودقائقه، وقد بذلوا قصارى جهودهم في هذا الصدد، فجمعوا الكثير من السحرة، قيل: جمعوا ألف ساحر، واختاروا من الألف مائة، ثم اختاروا من المائة ثمانين لمبارزة موسى الكليم (عليه السلام) ومباراته بسحرهم، وهيأوا الميدان ووفروا كافة الظروف والمستلزمات للمبارزة التاريخية الفاصلة وخطورة ما ينجم عنها على فرعون ونظامه، وعلى موسى وهارون (عليه السلام) وبني إسرائيل، وعلى الأقباط وجميع سكان مصر والمقيمين.

وفي الزمان والمكان المعلومين، احتشدت الجماهير الغفيرة، وحضر السحرة المهرة الذين جمعهم فرعون عن طريق أعوانه من ضباط الجيش وجنوده، وكان اليوم الموعود الذي اتفق موسى (عليه السلام) مع فرعون على جعله ميقاتاً للمبارزة، ليثبت حقيقة ما جاء به موسى (عليه السلام) و ادعى استناداً إليه النبوة وحمل الرسالة من رب العالمين، هو يوم الزينة، أي: يوم العيد، ويظن أنه يوم وفاء النيل، وهو أعظم أعياد أهل مصر، يتفرغ فيه الناس من أشغالهم، وقد اختير أن يكون الوقت ضحى؛ لأن الرؤية تكون واضحة، ولاتكون حرارة الشمس شديدة فتؤذي المجتمعين، مما يوفر ظروف أفضل لاجتماع أكبر عدد من الناس، حيث إن اليوم يوم عطلة رسمية، والرؤية واضحة، وحرارة الشمس غير مؤذية، وتوظيف الزخم المعنوي للعيد لحث الناس على الحضور.

يقول آية الله الشيخ ناصر مكارم الشيرازي: «وواضح أن وجود المترفين كلما كان أكثر، شد من أزر الطرف المبارز، وكان مدعاة لأن يبذل أقصى جهده، كما أنه يزيد من معنوياته، وعندما ينتصر الطرف المبارز يستطيع أن يثير الصخب والضجيج إلى درجة يتوارى بها خصمه، كما أن وجود المتفرجين الموالين بإمكانه أن يضعف من روحية الطرف المواجه (الخصم) فلا يدعه ينتصر»[1] والجماهير لا يحتاجون في الحقيقة والواقع إلى من يحثهم على الحضور لمثل هذه المبارزة التاريخية، فإنهم يتلهفون ويميلون وينساقون إليها بفطرتهم.

وعبارة: <هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ>[2] تدل على التخيير والترغيب في نفس الوقت؛ لأن السعي لإجبار الناس على أمر ما، ينفرهم منه ويقلل من اهتمامهم به بحسب فطرتهم، والإثارة مع إعطاء الاختيار يثير المزيد من الاهتمام، وهذا ما أراده فرعون وأعوانه وعملوا من أجله، وهذا يدل على ثقة فرعون وملئه البالغة في الانتصار على موسى الكليم (عليه السلام) وهزيمته؛ لأنهم يعتقدون أن موسى الكليم (عليه السلام) مجرد ساحر، أو هكذا وصفوه وقالوا عنه، وقدموه إلى الناس، وعليه: فمهما بلغت خبرته ومهارته وحذقه في فنون السحر ومعرفته بأسراره وخباياه ودقائقه، فهو لن يستطيع أن يواجه أمهر السحرة في مصر والعالم بأسره وينتصر عليهم، وهو واحد وهم كثر، وقد قيل: إن عددهم ثمانون ساحراً، وقيل: كان عددهم أكثر من ذلك بكثير.

ولولا هذه الثقة الزائدة العمياء في الانتصار على موسى الكليم (عليه السلام) وهزيمته، لما وافقوا أصلاً على المبارزة، فضلاً عن أن تكون في يوم العيد العام، وأمام الجماهير الغفيرة المحتشدة في الميدان، وفي أفضل الظروف وأكثرها ملاءمة، ولهذه الثقة الزائدة، حثوا الجماهير وحرضوهم على الحضور في الزمان والمكان المعلومين، ليروا بأم أعينهم عاقبة موسى وهارون (عليه السلام) وهزيمتهم وافتضاح أمرهم على أيدي السحرة الوطنيين الشرفاء، وليعرفوا فضيلة صناعة السحر وأهميته العظيمة في الحياة العامة الدينية والمدنية، ويثبت أمام الجماهير المحتشدة بالدليل كذب موسى وهارون (عليه السلام) في دعوى النبوة والرسالة، فلا يؤمن بهما أحد أبداً.

وعبارة: <لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ>[3] فيها تحفيز كبير للسحرة على الاهتمام وبذل أقصى جهودهم في المغالبة وتحقيق الانتصار، وتحمل الأمل في الانتصار، ولكنها في نفس الوقت، تعلق اتباع السحرة على انتصارهم وليس مطلقاً، أي: تعليق الأمر والموقف على إرادة فرعون، وليس على ذات الحقيقة أو الدليل والبرهان وقيام الحجة الواضحة، فلا قيمة للحق في ذاته، ولاقيمة للحجة والدليل والبرهان في قبال إرادة فرعون ورغبته وتقريره، فالحق والصواب هو فقط ما يريده فرعون ويرغب فيه ويقرره لا غير، وهذا هو عين ما تدعو إليه المدرسة الفلسفية النفعية، وهي مدرسة فلسفية قديمة حديثة، تنزع القيمة كلياً عن الحقيقة في ذاتها، وتفصل بين سعادة الإنسان وخيره ومصلحته (المنفعة) التي تتعلق بالمعرفة، ويضيف الطغاة المستكبرون، والفراعنة المتجبرون إرادة الحاكم المستبد المطلقة في تجديد قيمة الحقائق، وعليه: فقد اعتبروا انتصار السحرة دليلاً على صحة دينهم وجدارة اتباعهم، أما إذا لم يغلبوا فلا يعني ذلك صحة دين موسى الكليم (عليه السلام) وجدارة اتباعه؛ لأن المسألة في الحالتين ليست مسألة حق ودليل وبرهان وقيام الحجة، ولكن المسألة هي إرادة فرعون ورغبته وما يقرره، وفي التعبير أيضاً: التصميم على عدم اتباع موسى الكليم (عليه السلام) في جميع الأحوال، وهذا كله أبعد ما يكون عن الموضوعية والنزاهة والحياد، وفيه استخفاف واضح من فرعون بعقول قومه ومصيرهم وإرادتهم، ولو كانوا منصفين وباحثين عن الحقيقة وطالبين لها، لقالوا: لعلنا نعرف الحق والصواب في الأمر، ونتبع المحق السحرة أو موسى (عليه السلام) فذلك مطلوبنا وغاية مرامنا في الحياة.

إلا أن المؤسف حقاً وجود أناس من المتملقين وضعفاء العقول والأحلام حول الفراعنة والطغاة والحكام الظلمة، في كل عصر ومصر، بحيث لو قال لهم الحاكم عن شيء على خلاف الحقيقة بحسب ما هو معلوم لديهم بالضرورة، لصدقوه وقبلوه منه، واستنكروا على المعارضين الشرفاء مخالفته وإيمانهم بالحق البين استناداً على الدليل الواضح والبرهان الساطع والحجة الباهرة، مما يجعل هؤلاء المنافقين المتملقين بمثابة مرض السرطان الخبيث في جسم الأمة، وأساس الفساد والظلم في الأرض.

ما أراده فرعون وأعوانه من اجتماع أكبر عدد من الناس في أفضل الظروف وأكثرها ملاءمة لمشاهدة المبارزة التاريخية الفاصلة، هو عين ما كان يريده موسى الكليم وهارون (عليه السلام) ليحق الحق ويبطل الباطل، وليشرق نور الإيمان في القلوب، وتظهر آيات الله تبارك وتعالى، وتبين كيد فرعون وكذبه وفساد نظامه بمرأى عام من الناس، ولتظهر الحقيقة بكل جلاء ووضوح ويروها بأم أعينهم، لا أن يسمعوا عنها مشوهة عن طريق وسائل الإعلام الفرعوني التي تضلهم وتخفي عنهم الحقيقة وتبعدهم عنها، وتصور لهم الحق باطلاً والباطل حقاً، وذلك لعلمه ويقينه بأن ما عنده وما جاء به من عند الله سبحانه وتعالى هو حق حقيق، وأن حجة الله (عز وجل) هي الغالبة حتماً، وحجة الكافرين هي الداحضة.

وعليه: فما اقترحه ملأ فرعون عليه من مبارزة موسى (عليه السلام) بالسحرة، وما سعوا إليه من جمع أكبر عدد ممكن من الناس وحشدهم في ميدان المبارزة وتوفير أفضل الظروف للمشاهدة، هو في الحقيقة من لطف الله تبارك وتعالى ورعايته ومكره الخفي؛ لكي تظهر حقيقة دعوى موسى الكليم (عليه السلام) وتنكشف حقيقة النظام الملكي الفرعوني وكذبه وفساده، ويعلم بذلك جميع أهل مصر من الأقباط وبني إسرائيل وغيرهم، ولا يستطيع النظام الفرعوني وإعلامه أن يستر الحقيقة، وتقام الحجة التامة على فرعون وملئه وجميع الناس، وتحسن معاقبة المعاندين والانتقام منهم على كفرهم وعنادهم واستكبارهم على الحق والفضيلة.


المصادر والمراجع

  • [1]. تفسير الأمثل، ناصر مكارم الشيرازي، جزء 11، صفحة 237
  • [2]. الشعراء: 39
  • [3]. الشعراء: 40
المصدر
كتاب اللامنطق في الفكر والسلوك - الجزء الثاني | أستاذ البصيرة عبدالوهاب حسين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى