مغالطة فرعون وتضليله

<قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ 34 يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ 35 قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ 36 يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ>

وهاتان المعجزتان جامعتان للدلالة بوضوح ويقين على وجود الصانع الحكيم المدبر للعالم بأسره، وعلى صدق دعوى النبوة والرسالة وأحقية المطالب السياسية والحقوقية التي تقدم بها موسى الكليم (عليه السلام) إلى النظام الفرعوني وواقعيتها، يقول آية الله الشيخ ناصر مكارم الشيرازي: «في الحقيقة إن هاتين المعجزتين الكبيرتين، إحداهما كانت مظهر الخوف، والأخرى مظهر الأمل، فالأولى تناسب مقام الإنذار، والثانية للبشارة، والأولى تبين عذاب الله، والأخرى نور وآية رحمة! لأن المعجزة ينبغي أن تكون منسجمة مع دعوى النبي (عليه السلام)»[1].

إلا أن فرعون لا يهمه في الحقيقة المنطق والبرهان والحقائق، وكل همه السلطة والثروة والمنافع والامتيازات، فأصر على التكذيب ولم يؤمن ولم يلن قلبه ولم يتحرك ضميره، وأمام المشهد المهول الذي استوحشت له نفسه كثيراً واضطربت في الحقيقة، تمالك نفسه، وأظهر قدرة شيطانية كبيرة، فلم يستسلم ولم يخضع، وواجه الحجة والبرهان بالمراوغة والخديعة والبهتان، فقال للذين حوله بهدف تضليلهم ورفع معنوياتهم: <إِنَّ هَٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ>[2] يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره.

أي: اتهم موسى الكليم (عليه السلام) بأنه ساحر حاذق بارع في السحر، فما جاء به مجرد سحر وليس معجزة، قال ذلك لعلمه بضعف عقولهم ولعلمه بأن المتقرر عندهم أن السحرة يأتون من العجائب الخارقة للعادة ما لا يقدر عليه الناس، وعليه: فمن المقبول عندهم توجيه المعجزة وتقديمها على أنها من السحر، وكان قبل لحظات يصف موسى الكليم (عليه السلام) بالجنون، وفجأة يعبر عنه بالعالم!! فهذا هو طريق الطغاة والفراعنة المتجبرين في الفهم والتفسير، فهو لا يقوم على المنطق والحقائق، وإنما يقوم على الإرهاب وفرض الأمر الواقع، وهم يعلمون بأن الذين حولهم من النفعيين والانتهازيين سوف يقبلون منهم؛ لأنهم لا يقيمون وزناً للمنطق والحقائق والمبادئ، وإنما يهتمون فقط بتأمين مصالحهم العاجلة ولو كان ذلك على حساب المنطق والحقائق والمبادئ وحقوق الإنسان والمصالح العامة الوطنية والقومية والإنسانية، ثم يتملقون إلى الفراعنة ويزينون لهم ما يفعلون.

ومن أجل تخويف قومه عموماً والذين حوله خصوصاً وإثارة حفيظتهم وتحريضهم ضد موسى الكليم (عليه السلام) ورسالته وتعبئتهم ضده، قال: <يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ>[3] أي: إن لموسى الكليم (عليه السلام) هدفاً سياسياً خبيثاً من وراء ما جاء به من السحر، وهو التوصل إلى إسقاط النظام الملكي الفرعوني القائم، وإخراج الأقباط قاطبة من أرضهم ووطنهم الذي ولدوا وأقاموا فيه، وفيه أملاكهم وقوام حياتهم ولا يعرفون وطناً غيره، ليستأثر هو وقومه بالسلطة والثروة، ويحرموا منها الأقباط بشكل مطلق، وعليه: فما جاء به موسى الكليم (عليه السلام) مجرد سحر ولا علاقة له بالإعجاز ولا يحمل الدليل على ربوبية ما يزعم موسى (عليه السلام) أنه رب العالمين، ولا على ما يزعم من النبوة والرسالة، وأن له وراء ذلك أهدافاً سياسية انقلابية خبيثة، وأن المعجزة والدين والهداية مجرد غطاء يغطي به أهدافه السياسية الخبيثة؛ ليخدع بذلك الناس ويضلهم عن الدين الذي ورثوه من آبائهم وأجدادهم، وقام عليه نظام دولتهم وحكومتهم، وعليه: ينبغي عليكم الحذر الشديد منه ومن ألاعيبه السياسية وأن تتفقوا على مواجهته بكل حيلة ووسيلة ممكنة.

وبعد أن وجه فرعون الذين حوله إلى الوجهة التي يريد أن يفهموا ما جاء به موسى الكليم (عليه السلام)، قال: <فَمَاذَا تَأْمُرُون>[4] أي: بماذا تأمرون وتشيرون عليّ به في معاملة موسى (عليه السلام) ولمواجهته والقضاء عليه وعلى دعوته التي تهدد نظام دولتكم وحكومتكم وتاريخكم ومصالحكم الجوهرية في الحياة، فهو في الحقيقة والواقع لم يناقشهم ولم يسمع رأيهم في إمكان صدق ما جاء به موسى الكليم (عليه السلام) ولم يطلب رأيهم في ذلك، وإنما أصدر حكمه في ذلك، وحثهم على مسايرته فيه، وأن يتفقوا معه ويتضامنوا على دفعه والقضاء عليه بكل حيلة ووسيلة ممكنة.

أي: إنه طلب منهم أن يشيروا عليه بما تكون به المواجهة مع موسى الكليم (عليه السلام) والقضاء عليه وعلى دعوته ورسالته بشكل ناجح، وأراد أن يشعر قومه بوحدة المصير التي تجمع بينهم وبينه، وضرورة التضامن في مواجهة الخطر الداهم، وتجنب الاختلاف في الأمر والموقف، والحذر من التراخي في المواجهة، وقيل: إن مخاطبة فرعون من حوله، بقوله: <فَمَاذَا تَأْمُرُونَ>[5] وكان يقدر عددهم بخمسمائة نفر، مع أنه يزعم بأنه ربهم الأعلى ويتكلم بذلك قبل ساعة ويزعم أنهم عبيده ولم يكن مستعداً لأن يصغي لكلام أحد منهم أو من غيرهم، فإذا به يتنازل عن غروره وكبريائه ويعود إلى طبيعته الإنسانية ويعبر عن ضعفه وحاجته للذين حوله، مما يدل على أن سلطان المعجزة قد هزه وأذهله حتى حطه عن دعوى الربوبية إلى القول بمؤامرة موسى (عليه السلام) وقومه، وأفقده صوابه ومنطقه، فغفل عن تكبره واستعلائه ومزاعمه، وغشيته المسكنة والفقر، فلم يدر ماذا يقول ولا كيف يتكلم، فأخذ يستدعي قومه.

هذا هو مسلك الطغاة الجبابرة و الفراعنة، إذا أقبلت عليهم الدنيا يزعمون أن الدولة ملك مطلق لهم والحكومة استحقاق لهم دون غيرهم من الناس، ويعدون الجميع عبيدهم، وينسبون كل إنجازات الدولة ونجاحات أبناء الشعب وإنجازاتهم لأنفسهم وبفضل مكارمهم وتوجيهاتهم السديدة، ولا يفهمون شيئاً سوى الاستبداد ومنطق القوة والإرهاب لاخضاع أبناء الشعب لسلطتهم وإرادتهم وخدمة مصالحهم والتأمين على آرائهم وتوجهاتهم السياسية والاقتصادية والثقافية في إدارة البلاد، وحين تهتز عروشهم تحت تأثير عوامل داخلية أو خارجية، ينزلون مؤقتاً عن استبدادهم ويلجأون إلى أبناء الشعب، ويتملقون إليهم ويتوددون ويظهرون لهم الاحترام والتقدير والتعظيم نفاقاً وكذباً، ويتحدثون باسم الشعب، فالأرض أرض الشعب، والثروة ثروة الشعب، والشعب مصدر جميع السلطات، ونحو ذلك، حتى ينتهي الطوفان وتنقضي الأزمة، فيعودون إلى طبيعتهم الأولى في الاستبداد والإرهاب والطغيان وانتهاك الحقوق الطبيعية والمكتسبة لأبناء الشعب ونهب الثروة ونحو ذلك.

وقد سايره قومه فعلاً وقبلوا قوله وتفسيره لما جاء به موسى الكليم (عليه السلام) وأهدافه السياسية من وراء ذلك. ثم أشاروا عليه بقولهم: <أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ 36 يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ>[6] أي: أمهل موسى وأخاه هارون (عليه السلام) ولا تعجل عليهما بسجن أو نحوه، وعارض سحرهما بسحر مثله حتى تقيم عليهما الحجة ولا يتعاطف معهما أحد من الموالين للنظام والملك بحجة المظلومية حين تقتص منهم.

وعليه: ابعث من ضباط الجيش والجنود إلى كافة المدائن في مصر جامعين يأتوك بكل ساحر عليم حاذق، يتفوق على موسى الكليم (عليه السلام) في المعرفة بفنون السحر وأسراره وحقيقته وبارع فيه عملياً، فيبارزون موسى (عليه السلام) في السحر وينتصرون عليه ويثبتون بذلك كذب دعواه، ثم تعمد بعد ذلك إلى تصفية موسى وهارون (عليه السلام) وكل من يؤمن بدعوتهما من بني إسرائيل وغيرهم بدون أن يتعاطف معهم أحد من الموالين للنظام والملك، بسبب قيام الحجة عليهم.

والإشارة على فرعون من ملئه بمبارزة موسى الكليم (عليه السلام) بالسحرة، هو في الحقيقة من لطف الله (عز وجل) ومخفي مكره بالظالمين، حيث تتاح بهذه الوسيلة الفرصة الكافية اللازمة لموسى الكليم (عليه السلام) لكي يكشف لكل الناس الباحثين عن الحقيقة والطالبين لها حقيقة ما جاء به من عند الله رب العالمين، وينكشف لهم بطلان ما موّه به فرعون عليهم وأضلهم به عن الحق، إذ أوهمهم بأن ما جاء به هو من السحر ولأهداف سياسية، فقد تكفل فرعون بجمع أهل المهارة والفن في السحر، وحشر الناس لينعقد المجلس وتكون المبارزة في حضرة الخلق العظيم، ليظهر الحق جلياً واضحاً ويزهق الباطل في المبارزة التاريخية الفاصلة، ويقر أهل الفن بأن ما جاء به موسى الكليم (عليه السلام) هو معجزة إلهية وليس بسحر.

الجدير بالذكر: أن الله سبحانه وتعالى قال في سورة الأعراف: <قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ>[7] أي: إن القائل هم قوم فرعون، وهنا في سورة الشعراء، يقول: <قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ>[8] أي: إن القائل هو فرعون نفسه، ووجه الجمع كما قال به العلماء: أن فرعون هو الذي ابتدأ وأنشأ هذا القول وخاطب به ملأه، ثم آمن الملأ من قومه على قوله وصدقوه وأخذوا يتبادلونه ويرددونه فيما بينهم تقليداً له كما هو دأب الأتباع المتملقين في تقليد رؤسائهم في كل شيء وعنايتهم بأقوالهم وحفظها والاستشهاد بها، الأمر الذي يترتب عليه تعزيز الباطل والظلم والرذيلة وضياع الحق والعدل والحقوق والفضيلة، مما يدل على أن وجود المتملقين والانتهازيين والنفعيين وبطانة السوء التي تحوط بالحكام الطغاة والمترفين والمتنفذين، هم في الحقيقة كمرض السرطان في جسم الأمة، وقد صدق الرسول الأعظم الأكرم (صلى الله عليه وآل وسلم) إذ يقول: «أفضل الجهاد: كلمة عدل أمام سلطان جائر» وفي حديث آخر: «أحب الجهاد عند الله (عز وجل): كلمة حق تقال لإمام جائر»[9].


المصادر والمراجع

  • [1]. تفسير الأمثل، ناصر مكارم الشيرازي، جزء 11، صفحة 234
  • [2]. الشعراء: 34
  • [3]. الشعراء: 35
  • [4]. نفس المصدر
  • [5]. نفس المصدر
  • [6]. الشعراء: 36-37
  • [7]. الأعراف: 109
  • [8]. الشعراء: 34
  • [9]. كنز العمال، الحديثين: 5576 – 5510
المصدر
كتاب اللامنطق في الفكر والسلوك - الجزء الثاني | أستاذ البصيرة عبدالوهاب حسين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى