تهديد فرعون لموسى (ع) وردّه بالحجة

<قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَٰهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ 29 قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُّبِينٍ 30 قَالَ فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ 31 فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ 32 وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِين>

وأمام منطق موسى الكليم (عليه السلام) القوي والسليم وبيانه المتين والواضح الذي خنق أنفاس فرعون وانقطعت به حجته، وأمام الحقائق البينة الدامغة التي كشف عنها الكليم ونزلت كالصاعقة على فرعون، فزلزلت كيانه وأفقدته هيبته وعجز بيانه ومنطقه عن معارضة ما جاء به موسى الكليم (عليه السلام) ومقارعة الدليل بالدليل والحجة بالحجة، وأمام ما لمسه فرعون من الثبات وقوة الشكيمة التي تأبى الانقياد لغير الحق لدى موسى الكليم وهارون (عليه السلام) لجأ فرعون الضعيف في عقله ومنطقه إلى الخشونة في المقولة وإلى التهديد والوعيد، كما هي عادة الطغاة والفراعنة المستكبرين والمعاندين المحجوجين بقوة الحجة والمنطق، الذين يعتمدون في بسط سلطتهم على منطق القوة والعنف والإكراه وفرض الأمر الواقع على الناس، فالقتل والسجن والتعذيب وتشريد المعارضين هو السلاح الوحيد منذ القدم لدى هؤلاء الطغاة المستكبرين في مواجهة قوة الحجة والمنطق وعدالة القضية لدى المعارضين المحقين الشرفاء ودعاة الحرية والمطالبين بحقوق الإنسان والحياة الكريمة والمشاركة في صناعة القرار وتحديد المصير.

فقال: <لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَٰهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِين>[1] فلن ينفعك قوة منطقك وحجتك بشيء، فأنا صاحب القوة والسلطة ولا مكان عندي لقوة الحجة والمنطق، وإنما المكانة لمنطق القوة، والمهم هو الثروة والسلطة والمنافع والامتيازات، وسوف أدافع بكل ما أملك من القوة ووسائل العنف والإرهاب عن مصالحي وأحمي سلطتي وثروتي، وعليه: سأجعلك من الأذلاء المسجونين، وستلاقي في سجني ما تعلمه من أشد صنوف العذاب وتكون فيه في أسوء حال جزاءً لإنكارك ألوهيتي وربوبيتي وما تشكله دعوتك من خطر على ملكي ونظام دولتي ومصالحي في الحياة.

وقيل عبارة: <لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ>[2] أبلغ من قول: لأسجننك، فقد هدده بما كان معهوداً عنده ويعرفه من أحوال المسجونين المعارضين للنظام والملك، وكان من أساليبه في التعذيب: أنه كان يلقي الشخص في حفرة عميقة وحيداً حتى يموت، وهناك ما هو أسوء من ذلك بكثير، ذكرت بعضه في كيفية إعدام زوجته آسية بنت مزاحم رضوان الله عليها.

أراد فرعون بهذا التهديد والوعيد والخشونة في المقال والمنطق الإرهابي أن يردع موسى الكليم (عليه السلام) ويسكته عن البيان لكي لا يوقظ ضمائر المستمعين ويفتح عقولهم بكلماته الواعية ومنطقه الرصين وليكرهه على التراجع وترك الرسالة وخيانة أمانة العقل والضمير والرسالة.

لم يخشَ موسى الكليم (عليه السلام) من تهديد فرعون ووعيده ومنطقه الإرهابي العنيف، ولما لم ينفع معه منطق العقل والبرهان، لجأ إلى منطق الإعجاز الإلهي الذي ينقطع معه كل قول، فقال لفرعون بكل ثقة واطمئنان: <أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِين>[3] أي: أتفعل ذلك لي حتى وإن كنت محقاً وجئتك بآية ظاهرة جلية واضحة الدلالة قطعية الصدور تتبين بها صدقي، وتحمل الدليل القاطع الذي يزيل عنك كامل الشك في صحة النبوة والرسالة؟! هذا إن كنت تبحث عن الحق وتطلب الدليل عليه ولم تقف مع التعسف والبطش فقط!!

وهذا القول من موسى الكليم (عليه السلام) يدل على عمق الإيمان بالقضية وعدالتها، وعلى الصمود والثبات في الموقف مهما كانت التضحيات، وعلى الثقة الكاملة بالله (عز وجل) ونصره ومؤازرته للمؤمنين المخلصين الصادقين في حمل رسالتهم، الذين لديهم كامل الاستعداد للبذل والتضحية بأنفسهم وما يملكون في سبيل دينهم وقضيتهم العادلة في الحياة، وعلى أن تحلّي المجاهدين والدعاة بالصبر والصمود والثبات الممزوج بالحب والرحمة للناس جميعاً لا سيما المستضعفين، يعتبر السلاح الأكثر مضاءً الذي يكسر كبرياء الطغاة ويرد كيدهم إلى نحورهم ويقطع ويرد ظلمهم.

وأمام هذه الثقة بالله (عز وجل) وبالنفس المؤمنة المطمئنة وبسلامة القضية وعدالتها وما أظهره موسى الكليم (عليه السلام) من التحدي والثبات وقوة المنطق، وجد فرعون نفسه في طريق مسدود لا يمكنه تجاوزه، فليس من الفطنة والكياسة، أن يقول مثلاً: نعم!! سأسجنك وإن جئتني بشيء بيّن يدل على صدق دعواك، فما زال هناك مجال للأخذ والعطاء والمراوغة، فاضطر إلى المرونة وخضع لطرح التحدي، فقال: <فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ>[4] أي: إن كان عندك دليل يدل على صدق دعواك فأت به!!

فألقى موسى الكليم (عليه السلام) عصاه فصارت فجأة حية فعلية عظيمة تسعى بحيث لا يشك أحد في كونها حية حقيقية وليست خداعاً أو تمويهاً كما يفعل السحرة، فلم يبقَ أحد من جلساء فرعون إلا هرب خوفاً، ودخل في نفس فرعون من الرعب الكثير فلم يملك نفسه، فقال: يا موسى!! أنشدك بالله وبالرضاع إلا كففتها، فأخذ موسى الكليم (عليه السلام) العصا فرجعت إلى ما كانت عليه ورجعت إلى فرعون نفسه.

ثم وضع موسى الكليم (عليه السلام) يده السمراء تحت إبطه ثم أخرجها فإذا هي بيضاء تتلألأ نوراً عظيماً للناظرين من غير علة أو مرض أو نحوهما.


المصادر والمراجع

  • [1]. الشعراء: 29
  • [2]. نفس المصدر
  • [3]. الشعراء: 30
  • [4]. الشعراء: 31
المصدر
كتاب اللامنطق في الفكر والسلوك - الجزء الثاني | أستاذ البصيرة عبدالوهاب حسين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى