سخرية فرعون من موسى (ع)

<قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ 25 قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ 26 قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ 27 قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُون>

وفي جميع الأحوال: لم يتعظ فرعون ولم يستيقظ من غفلته ولم يستفد شيئاً من البيان الشافي الواضح، ومن الحجج الواضحة والبراهين الساطعة التي ساقها موسى الكليم (عليه السلام) إليه، فالتفت إلى الذين حوله من أشراف قومه وأتباعه وحاشيته ومستشاريه ورجال دولته وكبار ضباط جيشه وشرطته، ويقدر عددهم في الروايات بخمسمائة نفر وكلهم من أصحاب المصالح الانتهازيين والمتملقين إلى فرعون، فقال متعجباً ومتجهماً ومستهزءً وبكل غرور وصلافة: <أَلَا تَسْتَمِعُون 25 قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِين>[1] أي: ألا تسمعون قوله وتعجبون منه، فقد نزع عني صفة الربوبية وزعم أن الربوبية لإله واحد على خلاف ما تعتقدون وجرت عليه سيرة الأولين من قومنا، وهذه هي الحالة التي يكون عليها الملوك المتغطرسون والفراعنة المتجبرون دائماً، إذ يستخفون قومهم ويضلونهم عن الصراط المستقيم ويبعدونهم عن الحق المبين، ويجعلون منهم وقوداً في مواجهة الأولياء الصالحين والمصلحين الشرفاء، ويحملونهم على ممارسة فنون الظلم والعدوان ضد المعارضين للنظام، وذلك حين يجدون من يستمع إليهم من خفيفي العقول وسفهاء الأحلام، تحت تأثير الجهل أو الخوف أو الطمع أو التعصب، ويقبل منهم ولا يرد عليهم منكرهم وشناعتهم.

وقد أراد فرعون بهذه السخرية الحقيرة من كلام موسى الكليم (عليه السلام) أن يشوش على كلام موسى الكليم (عليه السلام) لكي لا يترك كلامه بما يشتمل عليه من البيان الواضح المتين، وما يقوم عليه من المنطق السليم تأثيراً في قلوب الذين حول فرعون ويغير أفكارهم ومعتقداتهم الباطلة فيه، فهم خواص قومه وأهل الحل والعقد فيهم، والتأثير فيهم ينعكس على قومهم ويهدد نظامه وملكه بخطر شديد، فعدّ كلام موسى الكليم (عليه السلام) بلا محتوى وبعيداً عن المطلوب، إلا أن موسى الكليم (عليه السلام) بما كان يمتلك من بصيرة ومنهج واضح للحوار ومعرفة كاملة بالمغالطات ونحو ذلك، تابع بيانه ولم يساير فرعون ولم يجارِه فيما أراد أن يدخله فيه من دهاليز وأنفاق مظلمة، فقال مصراً ومؤكداً، وبدون خوف أو وهن أو إيهام أو تردد: <رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ>[2] أي: تعجبتم أم لا، استكبرتم أم أذعنتم، هو خالق الكون وربه، وهو خالقكم وربكم، وخالق آبائكم الأولين وربهم، وهو خالق فرعون وربه وخالق جميع الفراعنة السابقين واللاحقين وربهم، أي هو رب عالم الإنسانية قبل أن يخلق فرعون الذي تخضعون إليه وتطيعونه وتعبدونه من دون الله سبحانه وتعالى و فرعونكم هذا عبد ضعيف ومخلوق مثلكم، فليس في الوجود إلا رب واحد هو رب السماوات والأرض ورب عالم الإنسانية وقد أرسلني إليكم بشيراً ونذيراً.

وقد أشار موسى الكليم (عليه السلام) بإصرار إلى عالم الإنسانية؛ لأن فرعون كان في الحقيقة والواقع وبكل دهاء ومكر وخديعة، يدافع عن نفسه، ويحتال بكل وسيلة ومكر ليبعد عن الأذهان كل ما يدل على أن ربوبية رب الأرباب تلغي ربوبيته وتبطلها، وعالم الإنسانية أقرب إلى الناظر وأوضح عند المتأمل، ويدل بدون شك على الخالق المدبر الحكيم الواحد، ويثبت بأن الدعوة إليه ليست أمراً مستحدثاً، وإنما هو أمر أصيل وقديم قدم العالم ومواكب لمسيرة الإنسان وتاريخه الطويل وباقٍ إلى نهاية التاريخ و الحياة على وجه الأرض، وأن فرعون مربوب وليس رباً كما يزعم، وأنه بحسب العقل والمنطق لا يجوز العبادة والخضوع إلى مخلوق ضعيف مثله في ذلك مثل سائر الناس، وله آباء وأجداد انحدر منهم وفنوا كما يفنى سائر الآباء والأجداد، وسيفنى كما فنى آباؤه وأجداده من قبله، يقول آية الله الشيخ ناصر مكارم الشيرازي: «إن موسى (عليه السلام) بدأ في المرحلة الأولى بـ«الآيات الآفاقية» وفي المرحلة الثانية أشار إلى «الآيات الأنفسية» وأشار إلى أسرار الخلق في وجود الناس أنفسهم وآثار ربوبية الله في أرواح البشر وأجسامهم ليفكر هؤلاء المغرورين على الأقل في أنفسهم ويحاولوا التعرف عليها وبالتالي معرفة من خلقها»[3] ولا شك فإن الإشارة إلى عالم الإنسانية والآيات الأنفسية أقرب إلى الناظر وأوضح عند المتأمل من الآيات الآفاقية كما سبق ذكره.

ثم يتقدم فرعون خطوة في الاستهانة بموسى الكليم (عليه السلام) وتحقيره ومعاندة الحق ومخالفة العقل والمنطق، فتجاوز الاستهزاء بموسى الكليم (عليه السلام) إلى اتهامه بالجنون واختلال العقل، فقال: <إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُون>[4] لأن الاختلال فيما يتكلم به يكشف عن الاختلال في عقله، حيث أسأله عن شيء ويجيبني عن غيره، ويخالف المألوف في النظام الذي توافق عليه الناس وارتضوه لأنفسهم ومضت عليه سيرة الأولين من الآباء والأجداد، ويقول إني مربوب وليس برب، ويدعو إلى عبادة إله واحد وطاعته وحده دون سواه، ويطالب بتغيير نظام الحكم في الدولة وبتغيير الأعراف والتقاليد التي يقوم عليها، ويطالب بالعدالة والمساواة بين المواطنين: الأقباط وبني إسرائيل، وبتحرير بني إسرائيل من الرق وإعفائهم من الأعمال الشاقة وعدم قهرهم عليها، وإعطائهم حق الإقامة والسفر والعيش حياة طيبة كريمة.

ومراد فرعون من وراء ذلك: تضليل قومه وإيقاعهم في الحيرة، واستثارة حفيظتهم ليواجه قوة الحجة والمنطق من قلق واضطراب، ويظهر على خلاف الواقع تمكنه وثباته، وأن لا قيمة ولا وزن لما قاله موسى الكليم (عليه السلام) لأنه لا حقيقة له ولا اعتبار في الواقع والمنطق، وقد سمّى فرعون موسى الكليم (عليه السلام) رسولاً على وجه السخرية والاستهزاء، وأضافه إلى الذين حوله من قومه: <إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ>[5] على وجه الترفع والاستعلاء عن أن يكون رسولاً إليه، مما يكشف عن النظرة الاستعلائية والغرور والاستكبار على الحق لديه، أي: إنه يرى نفسه أكبر من أن يكون له رسول يدعوه إلى التوحيد ويرشده إلى الحق والصواب وإلى العدل والخير والفضيلة، فلا حق فوقه، ولا عدل ولا خير ولا فضيلة على خلاف مايفعل.

وفي الواقع: فقد هز كلام موسى الكليم (عليه السلام) كيان فرعون من الداخل واضطربت نفسه بسببه كثيراً، وهو يعلم في قرار نفسه بأنه مخلوق ضعيف، إلا أن الثروة والسلطة وتملق ضعفاء العقول ومسايرتهم إياه فيما يدعي بغير حق على خلاف المنطق والواقع من الألوهية والربوبية ونحوهما، شجعه على المضي قدماً في ادعاءاته وحمله على ظلم العباد واستضعافهم.

وهذا ما يفعله حكام البغي دائماً في كل عصر ومصر، حيث يتباهون بالادعاءات والألقاب والمظاهر الفارغة، ويقومون على التشهير بالمعارضين لحكمهم من الشرفاء الأحرار والتنكيل بهم واتهامهم بالتخريب والجنون ووصفهم بأقبح الصفات ونحو ذلك، إلّا أن موسى الكليم (عليه السلام) لم يهتم بذلك السيل من التهم والسخرية والاستهزاء، ولم يؤثر في روحه ومعنوياته العالية، فهو على بصيرة ويقين من أمره، فتابع البيان لآثار القدرة الإلهية في عالم الإيجاد، ولم يشتغل بدفع ما نسب إليه فرعون من الجنون ونحوه؛ لكي لا يمنحه فرصة الهروب من الموضوع والتلبيس على الحقائق والبينات، فقال مصراً ومؤكداً كذلك: <رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ>[6].

أي: هو القائم على تدبير جميع العالم، تدبيراً واحداً مترابطاً متصلاً، على وجه محكم ينتظم به شأن جميع المخلوقات ونافع لها ويحقق غاية وجودها، مما يعلم فرعون ومما لا يعلم، فلا مدبر ولا إله غيره في العالم بأسره، وهذه حجة واضحة وكافية لكم إن كنت يا فرعون ومن معك من أهل العقول تدركون حقيقة العالم وحقيقة أنفسكم، فالذين لا يدركون وحدانية المدبر إذا نظروا إلى الظواهر الكونية والأنفسية وإلى وحدة التدبير واتصاله وترابطه في العالم بأسره وفي جميع الظواهر والمخلوقات، فهم في الحقيقة والواقع محرومون من العقل والفهم والإدراك لحقائق الأمور، وفي ذلك تعريض بفرعون الطاغية الذي سخر منه وأهانه ورماه بالجنون واختلال الكلام، وإن لم يشتغل بالرد عليه بشكل مباشر واللبيب يفهم.

كأنه قال لهم: لو كنتم تفكرون وتعقلون حقائق الأمور والمنطق السليم، لفهمتم أن كلامي حجة كافية وافية ودليل قاطع وبيان واضح على أن القائم بتدبير السماوات والأرض وعالم الإنسانية وجميع المخلوقات، مدبر واحد لا مدبر سواه ولا رب غيره وهو وحده الذي يستحق الطاعة والعبادة لا أحد سواه كفرعون ونحوه، لكنكم في الحقيقة والواقع حمقى لا تعقلون الحقائق الكونية والأنفسية، ولم تعتادوا التفكير المنطقي والعميق في الظواهر والآثار والدلائل، ولا ترونها ببصائركم العمياء المطموسة، فاتهامكم لي بالجنون ليس في محله وأنتم أولى به مني، وكان الأجدر أن تتهموا به أنفسكم الظلامية، إذ لا تدركون هذه الدلائل والآثار، ولاتعقلون ما وراءها من الحقائق النورانية العظيمة، ولم تستفيدوا من موعظة أو دليل أو برهان يقال إليكم، والنتيجة: إن فرعون ما هو إلا مخلوق ضعيف كسائر الناس، وعبد خاضع في جميع أحواله لإرادة ربه التكوينية وتدبيره، وهو ليس بإله كما يزعم وليس بيده شيء من التدبير.


المصادر والمراجع

  • [1]. الشعراء: 25-26
  • [2]. الشعراء: 26
  • [3]. تفسير الأمثل، ناصر مكارم الشيرازي، جزء 11، صفحة 231
  • [4]. الشعراء: 27
  • [5]. نفس المصدر
  • [6]. الشعراء: 28
المصدر
كتاب اللامنطق في الفكر والسلوك - الجزء الثاني | أستاذ البصيرة عبدالوهاب حسين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى