سؤال فرعون عن ماهية رب العالمين

<قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ 23 قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ>

لمّا سمع فرعون الرد المفحم والمنطق المتين، غيّر مجرى الحديث بدهاء ومكر خبيث، وشرع يجادل موسى الكليم (عليه السلام) في ربوبية رب العالمين، ليس بحثاً عن الحقيقة، فهو لا يبحث عن الحقيقة ولا يطلبها، وإنما أراد تضليل الناس وإبعادهم عن الحقيقة وإبطال كل ما يبطل ربوبيته ويفسد عليه نظامه ويهدد أمنه واستقراره، فقال متعنتاً: <وَمَا رَبُّ الْعَالَمِين>[1] الذي تزعم أنه أرسلك إلينا؟ فلكل عالم من عوالم الخلقة رب مدبّر، وأنا ربكم الأعلى المدبّر لعالمكم، ولا رب غيري في هذا العالم.

فأجابه موسى الكليم (عليه السلام) بقوله: <رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ>[2] أي: الخالق لجميع العوالم ومدبرها بأنواع التدبير المحكم، فإن كانت لكم عقول تدركون بها حقائق الأمور والظواهر الكونية، فسوف تعلمون بيقين أن هذا العالم وما فيه من صنوف التدبير، لا يكون إلا بقدرة خالق عظيم القدرة وحكيم في تدبيره، وهذا يشمل العالم بأسره وجميع المخلوقات فيه، أي: إن رب العالمين هو الذي خلق السماوات والأرض وما فيها من المخلوقات من العدم، وهو القائم على تدبيرهم جميعاً وبدون استثناء، وقد أعطى الحياة لبعض المخلوقات: النبات والحيوان والإنسان، وهداها بما أودع فيها من السنن والغرائز والقدرات والاستعدادات إلى ما يحفظ به وجودها وحياتها، وعليه: فوجود السماوات والأرض وما فيهما من المخلوقات، وما تشتمل عليه من التنظيم والتدبير المترابط والمتصل والمحكم، يدل دلالة يقينية قطعية عند أهل الدليل والبرهان على وجود الخالق المدبر الواحد لجميع العوالم، ولا يشاركه أحد غيره من الموجودات الضعيفة والفقيرة في وجودها وصفاتها وأفعالها إليه مثل: فرعون وغيره، في استحقاق الطاعة والعبادةـ

وهذه حجة واضحة وكافية لإدراك حقيقة توحيد الخالقية والتدبير لدى كل عاقل منصف يبحث عن الحقيقة بموضوعية ويطلبها، وسالك سبيل اليقين بموضوعية وبصدقٍ وإخلاص، عن طريق الدليل والبرهان والمشاهدة والوجدان، ولم يكن معانداً أو مكابراً كسائر الفراعنة والمترفين والانتهازيين الخبثاء، فافتحوا أعينكم وعقولكم وقلوبكم بحثاً عن الحقيقة، وانظروا في نظام الكون وتدبيره، لتعلموا حقيقة ما قلته لكم وتتيقنوا صحته، يقول العلامة الطباطبائي: «أنه قيل له: ما تريد برب العالمين؟ فقال: أريد به ما يريده أهل اليقين إذا يستدلون برباط التدبير واتصاله في عوالم السماوات والأرض وما بينهما على أن لجميع هذه العوالم مدبر واحد و رب لا شريك له في ربوبيته لها… وبعبارة موجزة: رب العالمين هو الذي يوقن الموقنون بربوبيته لجميع السماوات والأرض ومابينهما إذا نظروا إليها وشاهدوا وحدة التدبير الذي فيها»[3].

ومن الملفت: أن فرعون قد سأل عن جنس رب العالمين وحقيقته: <وَمَا رَبُّ الْعَالَمِين>[4] غير أن موسى الكليم (عليه السلام) أجاب ببيان أظهر به خواصه وفعاله و بما يدل على عظيم قدرته من آياته وآثاره، أي: أشار إلى الحجة والبرهان على توحيد الخالقية والربوبية المأخوذة من وحدة التدبير وقواعد المنطق السليم، حيث إن ذات الله سبحانه وتعالى بعيدة عن إدراك العقول ولا يمكن أن يعرف بما هو في ذاته، كما حرص موسى الكليم (عليه السلام) على أن يوصل الرسالة الربانية ويبينها إلى فرعون وملئه، وتجنب الخوض في المسائل الجانبية التي من شأنها أن تفتح أبواب الجدل العقيم التي تضيع فيها الحقائق وتلتبس على عامة الناس، وهو نفس المنهج الحكيم الذي سار عليه إبراهيم الخليل (عليه السلام) في محاجة الطاغية نمرود اللعين:<إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ>[5] ولا أحد يشاركه في شيء من ذلك، فرد عليه نمرود فقال: <أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ>[6] فأمر بإحضار رجلين من السجن، وأمر بقتل أحدهما فقتل، وأمر بإطلاق سراح الآخر فأطلق سراحه.

وفي جواب نمرود تمويه وتلبيس واضح لكل ذي بصيرة وفهم ومنطق سليم، فليس القتل والإفراج عن السجين بالإحياء والإماتة الحقيقيين الذين عناهما إبراهيم الخليل (عليه السلام) إلا أن ابراهيم الخليل (عليه السلام) لم ينجر إلى فخ نمرود ولم يدخل أنفاق ومتاهات الجدل العقيم المظلمة التي أراد له نمرود أن يدخلها ويضيع فيها بيانه الفصيح، وإنما عدل إلى حجة أخرى فاصلة، فقال: <فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِب>[7] أي: إن كان الأمر كما تقول، فإن الرب الحقيقي الذي بيده الخلق والتدبير، والذي يحيي ويميت حقاً وواقعاً وليس على سبيل الكناية والاستعارة، يأتي بالشمس من المشرق فأت بها أنت من المغرب حتى يثبت لدينا بالدليل والحجة الصحيحة أنك رب وبيدك الأمر والنهي <فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ>[8] وتحير وانقطعت حجته وظهر عجزه وكذبه أمام الحاضرين.

وفي ذلك درس مهم وبليغ للدعاة وحملة الرسالات، بأن يحرصوا على الركائز والمسائل الأساسية، ويتبعوا منهجية ذكية واضحة المعالم في الحوار، ولا يدخلوا في أنفاق ومتاهات الجدل العقيم التي تضيع فيها الحقائق وتلتبس على عامة الناس، وقيل: إن سؤال فرعون موسى الكليم (عليه السلام) <وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ>[9] ليس سؤالاً عن حقيقة الله (واجب الوجود) سبحانه وتعالى؛ لأن فرعون يعتقد أن واجب الوجود هو رب الأرباب ولا رب فوقه، وإله الآلهة ولا إله فوقه، وهو أعظم من أن يحيط به فهم أو يناله إدراك، وعليه: لا تجوز عبادته لأن العبادة نوع توجه إلى المعبود والتوجه إدراك، والمطلوب: التقرب إليه بعبادة موجودات شريفة مقربة إليه، مثل: الملائكة والجن والقديسين الفانين في اللاهوت من البشر، ومنهم الملوك والعظماء الذي يرجع إلى كل واحد منهم تدبير عالم من عوالم الخلقة أو أمر من أموره أو جهة من جهاته، وكل منهم مربوب إلى رب الأرباب الذي هو خالقهم جميعاً، وهذا ما يقوم عليه دين فرعون ونظامه السياسي، فهو يرى نفسه ملك القبط وربهم الأعلى يعبده قومه كسائر الآلهة، وهو يعبد الآلهة الذين هم فوقه، وعليه: فسؤال فرعون إنما هو عن صفة وحقيقة واحدة من هذه الآلهة والأرباب، وليس عن حقيقة الله (واجب الوجود) الذي هو رب الأرباب وإله الآلهة، ولأنه يعتقد أن لا سبيل إلى إدراك كنهه وحقيقة وجوده، وعلى هذا الاعتقاد يقوم دينه ونظام دولته.


المصادر والمراجع

  • [1]. الشعراء: 23
  • [2]. الشعراء: 24
  • [3]. تفسير الميزان، العلامة محمد حسين الطباطبائي، جزء 15، صفحة 242 – 243
  • [4]. الشعراء: 23
  • [5]. البقرة: 258
  • [6]. نفس المصدر
  • [7]. نفس المصدر
  • [8]. نفس المصدر
  • [9]. الشعراء: 23
المصدر
كتاب اللامنطق في الفكر والسلوك - الجزء الثاني | أستاذ البصيرة عبدالوهاب حسين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى