هلاك فرعون الطاغية واستخلاف بني إسرائيل

<وَلَقَدْ أوحَيْنَا إلىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَىٰ 77 فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ 78 وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَىٰ>[1]

بعد أن انتصر الحق انتصاراً باهراً وظهر تماماً على الباطل، وفرض وجوده المنطقي بقوة الحجة والبرهان، وأظهر السحرة الإيمان بالتوحيد والنبوة والمعاد، والمعارضة لفرعون ونظامه وحكومته، اهتزت الأركان المعنوية للنظام الملكي الفرعوني، وعاش فرعون وقلبه ممتلئ من الفزع والقلق والخوف على مستقبل النظام والسلطة، وأظهر أقصى درجات العتو والنفور من الحق، والتجبر والعناد والمكابرة والاستكبار، ونعت موسى الكليم (عليه السلام) بالخارجي، ومعجزاته بالسحر، وقومه بالشرذمة القليلة الخارجة على النظام والقانون، ونفذ حكم الإعدام في السحرة المؤمنين المظلومين، ليكونوا عبرة لغيرهم فلا يؤمنون، وبقي يتدبر في أمر موسى الكليم (عليه السلام)، وسام بني إسرائيل صنوف العذاب، وفي المقابل عاش موسى الكليم (عليه السلام) سنين يقود بني إسرائيل ويسعى في تخليصهم من عذاب فرعون وحزبه، ويدعو الأقباط إلى التوحيد، وجاءهم بالكثير من المعجزات وأظهر لهم البينات الواضحات ولكنهم لم يجيبوه إلى شيء، وذلك بسبب وقوعهم تحت تأثير الخوف من سطوة فرعون وجنوده، والطمع في دنياه وجوائزه، والتعصب القومي وللذات الموروث من الآباء والأجداد، والخوف من المستقبل في ظل تغلب موسى الكليم (عليه السلام) وبني إسرائيل على فرعون والأقباط واستيلائهم على سلطة البلاد، وهذا ما يفعله دائماً الشحن الطائفي والقومي بكثافة في أوساط الأقباط الخاصة والعامة، وتحت تأثير الخوف من المستقبل، وتحريض الحاشية والمتملقين والنفعيين، فقد قرر قتل موسى الكليم (عليه السلام) والتخلص منه بالتصفية الجسدية.

وفي ظل ذلك الوضع، أوحى الله   (جل جلاله) إلى عبده ورسوله موسى الكليم (عليه السلام) وأمره أن يواعد بني إسرائيل سراً على الخروج من مصر بدون أن يشعر بهم فرعون وجنوده وقومه الأقباط، والتوجه إلى الأرض المقدسة أرض الميعاد فلسطين، التي هي موطن جدهم يعقوب (عليه السلام) قبل هجرته مع أسرته جميعاً إلى مصر في عهد حكومة ابنه يوسف الصديق (عليه السلام) قبل أربعمائة سنة تقريباً، أي: في القرن الثامن عشر قبل الميلاد (18 ق.م) وكان الأمر الرباني لهم بالخروج ليلاً؛ لأنه يساعد على التستر بحيث يكونون بعيدين عن عيون فرعون وجنوده والأقباط فلا يرونهم أثناء خروجهم، ولكي تتوفر لهم الفرصة الزمنية الكافية ليذهبوا بعيداً بما يكفي عن مركز الحكم، فيحتاج فرعون وجنوده إلى وقت لكي يدركوهم أو يصلوا إليهم، مما يتيح لهم فرصة الفرار والنجاة من خطر فرعون وجنوده وقومه.

تهيأ موسى الكليم (عليه السلام) وبنو إسرائيل للخروج، ثم خرجوا في أول الليل وبسرية تامة، كما أمرهم الله تبارك وتعالى، وفي الصباح علم فرعون بخروج موسى الكليم (عليه السلام) مع قومه من مصر متوجهين إلى الأرض المقدسة، فغضب لذلك أشد الغضب، ورأى في وجودهم بعيدين عنه وخارج رقابته وسيطرته، خطراً جدياً عليه وعلى نظامه، لا يقل عن خطرهم في مصر ومقاومتهم له؛ لأن خروجهم وبقاءهم بعيدين عن رقابته وسيطرته، يسمح لهم ويمكنهم من بناء قوتهم الخاصة والتحالف مع آخرين يؤمنون بدينهم أو يناصرونهم لأسباب ودوافع سياسية أو إنسانية، ثم يقومون بمهاجمة مصر والقضاء على النظام الملكي الفرعوني.

أي: إن فرعون رأى بأن وجود موسى الكليم (عليه السلام) وبني إسرائيل يمثل خطراً وجودياً جدياً عليه وعلى نظامه ودولته وحكومته سواء بقوا معه أو خرجوا بعيداً عنه، فقرر استئصالهم والقضاء عليهم قضاءً مبرماً للتخلص من شرهم وخطرهم عليه إلى الأبد، فأمر بحشد قواته العسكرية على جناح السرعة، والخروج لملاحقة موسى الكليم (عليه السلام) وقومه، وإدراكهم قبل الخروج من الحدود المصرية والدخول إلى أرض فلسطين، بمعنى، أنه لم يكتفِ بالدفاع عن نفسه ودولته ونظامه، بل قرر الهجوم والتصفية الكاملة للخصم قبل أن يقوى ويستفحل خطره، مع أن دعواه السابقة بأن موسى الكليم (عليه السلام) وقومه يريدون إسقاط النظام الملكي الفرعوني، والاستيلاء على السلطة والثروة والمقدرات في البلاد، والاستئثار بها دون الأقباط، والسعي لطرد الأقباط من وطنهم وأرضهم وإخراجهم من أملاكهم، قد أصبحت بحكم الساقطة للإقامة فيها واتخاذها وطناً لهم، أو على الأقل مشكوك فيها، إلا أن فرعون أراد أخذ موسى الكليم (عليه السلام) وقومه بالظن، كما هي عادة قوى الاستكبار العالمي التي تقوم بمهاجمة الخصم وتدميره لمجرد الشك في نواياه، وفي ذلك تجلي الروح العدوانية والانتقامية لدى فرعون وقومه ونظامه، وإصرارهم على استعباد بني إسرائيل واسترقاقهم، والرغبة الجامحة في تصفيتهم ورغبة بني إسرائيل في فك رقابهم وعتقها من عبودية فرعون وقومه والحصول على حقوقهم الطبيعية بما في ذلك حقهم في الهجرة وتقرير المصير.

ثم خرج فرعون وجنوده يقتفي أثر موسى الكليم (عليه السلام) وقومه، وأسرعوا في طلبهم، وتراءى الطرفان، وخاف بنو إسرائيل من أن يدركهم فرعون وجنوده ويصفوهم ويقضوا عليهم عن آخرهم، فلا يبقى منهم أحد لا رجل ولا امرأة ولا طفل، وقلقوا لذلك غاية القلق، فالبحر العظيم أمامهم والعدو القوي السفاك الغاضب: فرعون وجنوده بالسلاح من ورائهم يطلبونهم للانتقام منهم والقضاء عليهم، وعددهم قليل في مقابل عدد جنود فرعون، وفيهم الأطفال والنساء والعجزة، وهم ليسوا متهيئين للقتال، وفي هذا الظرف الحرج والقلق العارم الذي انتاب بني إسرائيل، وبلغت القلوب الحناجر من الخوف كان موسى الكليم (عليه السلام) مطمئن القلب، ساكن البال، مرتاح الضمير، فهو على بصيرة من أمره، وقد أخبره الله سبحانه وتعالى حين أمره بالخروج مع بني إسرائيل، بأن فرعون وجنوده سيتبعونهم بهدف قتلهم والقضاء عليهم، إلا أنه سينجيه وجميع قومه من فرعون وجنوده، ويهلك فرعون وجميع الذين معه، وسيتخلف بنو إسرائيل ويورثهم الأرض مكانهم، وهو واثق بوعد ربه العزيز الحكيم القادر على كل شيء، فقال: <كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ>[2] أي: لن يدركنا فرعون وجنوده، فإن معنا الله   (جل جلاله)، وسيهديني إلى سبيل النجاة.

وفي هذا الوقت وظل ذلك الحال أدركت رحمة الله الواسعة عباده المؤمنين المستضعفين، الذين أراد تخليصهم من قبضة عدوهم الظالم الغشوم المتجبر وإهلاكه واستخلافهم في الأرض مكانه، فأوحى الله (عز وجل) إلى عبده الصالح المخلص ورسوله الكريم موسى الكليم (عليه السلام): أن اضرب بعصاك البحر، وهو بحر سوف أو البحر الأحمر عند خليج السويس الذي يفصل بين مصر وسيناء، واجعل لهم بهذه الضربة طريقاً في البحر يبساً صلباً لا ماء فيه ولا طين، يمرون فيه آمنين على أنفسهم مطمئنين إلى الجانب الآخر بين جبلين عظيمين من الماء، لا تخافون أن يدرككم فرعون وجنوده، ولا تخافون الغرق في البحر أو أي خطر آخر من جانب البحر أو غيره، فامتثل موسى الكليم (عليه السلام) الأمر الإلهي، فضرب بعصاه البحر فانشق له في البحر اثنا عشر طريقاً بعدد أسباط بني إسرائيل، وصار الماء كالجبال العالية (الطود) عن يمين الطرق ويسارها، وأيبس الله (عز وجل) تلك الطرق، فلم يعد فيها ماء ولا طين، فسلكها بنو إسرائيل جميعاً متجهين إلى الجانب الآخر من البحر.

وحدوث هذه الطرق في البحر العميق بفعل العصا إنما هو معجزة ربانية عظيمة، جاء بها الله (عز وجل) رحمة بعباده المؤمنين المستضعفين، وبإرادة نجاتهم وتخليصهم من عدوهم الظالم الغشوم، ولكي يمكن لهم في الأرض ويستخلفهم فيها كما وعدهم، ليعبدوه جهراً ويقيموا أمره، وهذه من النتائج الضرورية لسنة الاستبدال التي هي من السنن الإلهية الحاكمة في المسيرة الإنسانية التاريخية، والتي تحمل البشارة والطمأنينة للمؤمنين في صراعهم ضد قوى الكفر والنفاق والدكتاتورية والاستبداد والظلم والطغيان والفساد، بأن رسالتهم باقية، وجماعة المؤمنين باقية، وأنهم سوف يصلون إلى ما يريدون في نهاية المطاف، وأن الأعداء لن يتمكنوا بأي حال من الأحوال من القضاء على الرسالة، أو على جماعة المؤمنين، فهما بعين الله (عز وجل) وتدبيره، وليس على المؤمنين إلا أداء تكليفهم في التبليغ والجهاد، ويتركوا التدبير والنتائج وراء ذلك إلى الله رب العالمين.

ولما وصل فرعون وجنوده إلى ساحل البحر، ورأوا الطريق في أعماق البحر والماء واقف كالطود العظيم على يمين الطريق ويساره، دهشوا لذلك المشهد المذهل المثير، وكان ذلك المشهد كافياً لأن يعيدهم إلى وعيهم ورشدهم، فيعرفوا الحق ويتبعوه، أو على الأقل أن يتوقفوا عن ملاحقة موسى الكليم (عليه السلام) وقومه ويعودوا عن غيهم وطغيانهم، إلا أن فرعون وجنوده قد عميت بصائرهم، وغرقوا في تجبر المادة والغرور والطغيان والاستكبار على الحق وأهله، فلم يهتموا بهذه المعجزة العظيمة، وأمر فرعون جنوده الذين ركبهم الجهل والحمق بالسير في ذلك الطريق الخطير المثير للدهشة والريب في أمره، والاستمرار في ملاحقة موسى الكليم (عليه السلام) وقومه، فلم يدركوا حقيقة الإعجاز الإلهي وأبعاده، بل كذب فرعون على قومه وغشهم حيث أنه حين انتهى إلى البحر فرآه قد يبست فيه الطريق، قال لقومه: ترون البحر قد يبس من خوفي، فصدقوه. إذ كانوا يعتقدون بخلاف العقل والمنطق أنه إله وأنه ربهم الأعلى، فولجوا جميعاً في الطريق يريدون إدراك موسى الكليم (عليه السلام) وقومه، فما إن تكامل خروج بني إسرائيل من الطريق إلى الجانب الآخر، أي: خرج آخر واحد من بني إسرائيل من الطريق، وتكامل دخول فرعون وجنوده في الطريق، أي: دخل آخر جنود فرعون في الطريق ولم يبق منهم أحد في الخارج، أمر الله (عز وجل) البحر فانطبق الماء عليهم فغطاهم من كل جانب، وغمرهم جميعاً بطريقة فظيعة مهولة، فهلكوا عن آخرهم ولم ينجُ منهم أحد، وبنو إسرائيل ينظرون إليهم وهم يغرقون، وبنو إسرائيل سالمون جميعاً.

وقد أقرّ الله تبارك وتعالى عيونهم بهلاك عدوهم ونجاتهم، واطمأنت أنفسهم وأيقنوا بصدق وعد الله (عز وجل) لهم بالنصر والاستخلاف، وتجلت لهم عاقبة الكفر والفسوق والعناد والظلم والطغيان والفساد في الأرض وعدم الاهتداء بهدى الله سبحانه وتعالى، وعاقبة الإيمان والصدق والإخلاص والصبر فقد هلك فرعون وجنوده بالغرق في وسط أمواج البحر المتلاطم ولم ينجُ منهم أحد، جزاء عنادهم وإصرارهم على الكفر والفسوق والظلم والطغيان والفساد في الأرض، فلم تنفع معهم الآيات البينات الواضحات والمعجزات الباهرات العظيمة، الدالة دلالة يقينية لا شك فيها ولا ريبة على التوحيد والنبوة والمعاد، وسلم بنو إسرائيل بإيمانهم وصبرهم واتباعهم أولياء الله وهديهم.

وقد تبين بحسب المقدمات والنتائج: أن فرعون الطاغية، قد أضل قومه الأقباط عن الحق، وأبعدهم عن طريق الهدى والاستقامة والرشاد والسلامة والنجاة على خلاف ما كان بقوله: <وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ>[3]، وأوردهم موارد العذاب والهلاك في الدارين الدنيا والآخرة، بما زين لهم من الكفر والتعصب القومي الأعمى وللتراث الموروث من الآباء والأجداد، وتهجين ما جاءهم به موسى الكليم (عليه السلام) من الحقائق والبينات والمعجزات، وحين سلك بهم الطريق الخطير المثير للدهشة والاستغراب الذي سلكه بنو إسرائيل في البحر ولم يتعظ ولم يتراجع عن غيه وطغيانه، وذلك بعد أن ظهر الحق بأعظم المعاجز والبينات وآخرها شق البحر ووقوف الماء كالطود العظيم على جانبي الطريق.

 يقول آية الله الشيخ ناصر مكارم الشيرازي: «إن القائد قد يخطئ أحياناً، ويجر أتباعه إلى طريق منحرف، إلا أنه بمجرد أن ينتبه إلى خطئه يعيدهم إلى طريق الصواب، إلا أن فرعون كان عنيداً إلى الحد الذي لم يبين لقومه الحقيقة حتى بعد وضوح الضلال ومشاهدته، واستمر في توجيه هؤلاء إلى المتاهات حتى هلك وإياهم»[4].

ولا عذر لقومه في اتباعه، فقد خضعوا لأهوائهم الشيطانية ورغباتهم وشهواتهم الحيوانية، وتعصبوا تعصباً أعمى للقومية والتراث، وعطلوا عقولهم عن التفكير، وخالفوا فطرتهم وطبعهم الإنساني وضمائرهم، واستغرقوا في العناد والمكابرة والتعصب والطغيان، فكانوا مثله مستحقين لعقوبة الهلاك والاستئصال، وهذا ما يفعله للأسف الشديد الكثير من الناس، إذ يحملهم الجهل والتعصب الأعمى الطائفي والقومي ونحوهما على الموالاة للفراعنة والطواغيت ومناصرتهم والقتال معهم ضد الأولياء الصالحين والدعاة المخلصين للإصلاح والمناضلين الشرفاء المطالبين بالحق والعدل والحقوق، والموت في سبيل ذلك، وليس ذلك إلا الحمق والضلال، والمخالفة للدين والعقل والمنطق السليم، والفطرة والطبع الإنساني والكرامة والضمير، فلا يملك الفراعنة والطغاة بما هم، إلا الضلال والفساد والسير بأتباعهم في طريق العذاب والهلاك في الدارين الدنيا والآخرة، فهل يفيق القوم من غفلتهم ويتعظون ويعودون إلى رشدهم قبل فوات الأوان وحلول الطامة الكبرى والعذاب العظيم؟!

وبعد هلاك فرعون وقومه، ورث موسى الكليم (عليه السلام) وبنو إسرائيل أرض مصر وتوابعها وبدأوا عهداً جديداً.


المصادر والمراجع

  • [1]. طه: 77-79
  • [2]. الشعراء: 62
  • [3]. غافر: 29
  • [4]. تفسير الأمثل، ناصر مكارم الشيرازي، جزء 1، صفحة 31
المصدر
كتاب اللامنطق في الفكر والسلوك - الجزء الثاني | أستاذ البصيرة عبدالوهاب حسين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى