أفكار ورؤى

الإصلاح المقاوم بين المبدأ والأساليب المتغيّرة

بقلم: عباس البحراني

من القيم الإلهية التي طرحها فضيلة الأستاذ عبد الوهاب حسين في أكثر من محطة هي قيمة الإصلاح، بالمعنى الديني بما يشمله المعنى من الإصلاح في جوانبه السياسية والفكرية والثقافية وغير ذلك.

وفي كتابه «إضاءات على درب سيد الشهداء»، صفحة 74، أشار فضيلة الأستاذ إلى سياسة العزة والمقاومة في المسيرة الإصلاحية للإمام الحسين (ع)، بأنها أنتجت مواقف وشعارات عاشوراء، كمقولة الإمام الحسين (ع): «موت في عز خير من حياة في ذل»، وهي نفسها التي أنتجت مقولة الإمام الحسين (ع) الخالدة: «إنما خرجت لطلب الإصلاح».

في هذا الطرح الفكري الأصيل المستمد من أهل البيت (ع) لا مجال للانفصال بين الإصلاح وبين موقف العزة والمقاومة بمعناها الشامل.

الإصلاح المقاوم في سيرة أهل البيت

وبهذا يجب أن تكون كل الشعارات والمواقف قائمة على أساس العزة والمقاومة بمعناها الشامل وليس الخاص. والعزة الواردة في مقولة الإمام الحسين (ع)، هي العزة في قبال الذل والتصاغر، وهي العزة التي كانت مواقف الرسول الأكرم والأئمة من بعده عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه قائمة عليها، سواء كان موقفهم العملي هو الصلح أم الحرب، والتفاوض أو رفض الحلول الوسط، والتحالف أم النديّة والافتراق.

وبهذا المعنى تكون مواقف أهل البيت عليهم الصلوات والسلام نابعة من منهج إصلاحي عزيز مقاوم، مهما اختلفت ظروف الزمان والمكان، ومهما اختلف الأسلوب والموقف المتخذ من قبل الرسول الأكرم والأئمة المعصومين طوال تاريخ حركتهم.

فموقف الرسول الأكرم صلوات الله عليه وعلى آله في صلح الحديبية كان موقفاً عزيزاً ونابعاً من مسيرة الإصلاح المقاوم، وليس الخنوع والذل في قبال تهويل المشركين، وكذلك موقف الإمام الحسن (ع) في صلحه مع معاوية لعنة الله عليه، فقد كان موقفاً عزيزاً وإصلاحياً مقاوماً، لم يقدّم فيه الإمام الحسن (ع) موقفاً نابعاً من الذل والخنوع والخوف، ولم يعط معاوية شرعيّة دينية أو سياسية، وكان موقف الإمام الحسن (ع) لا يقل عزة وإباءً عن موقف أخيه الحسين الشهيد (ع)، وكذا موقف إمام الموحدّين علي عليه الصلاة والسلام في مقولته الخالدة: «لقد علمتم أني أحق الناس بها من غيري، ووالله لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين، ولم يكن فيها جور إلا عليّ خاصة، التماسا لأجر ذلك وفضله، وزهدا فيما تنافستموه من زخرفه وزبرجه».

كيف نميّز المواقف والشعارات؟

ولكي يمكن تمييز المواقف والشعارات على اختلاف صورتها الخارجية ينبغي إرجاعها إلى جذورها القرآنية وسيرة أهل البيت عليهم الصلاة والسلام، فما كان نابعاً من غير المنبع الولائي والانقياد للقيادة الإلهيّة أو كان نابعا من ضعف البصيرة والذل والخوف فينطبق عليه قول الله سبحانه في سورة الكهف: <قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا>.

عندما نطرح أن الأصل في سعي الرسول الأكرم والأئمة المعصومين عليهم الصلوات والسلام إلى تحقيق الإصلاح القرآني، القائم على العزة والمقاومة بمعناها الشامل، فذلك يفسّر مبدأ تأكيدهم “صلوات الله عليهم” إلى المبادئ التي ينبغي عليها أن تعيش الشعوب والقيادات والحركات السياسية في العالم الإسلامي.

الفرق بين المبدأ والأسلوب

كما أن ذلك يطرح ضرورة التفريق بين المبادئ والقيم من جهة وبين الأساليب من جهة أخرى، فالمبادئ والقيم الدينية والإسلامية لا تتغير، بينما يتغّير الأسلوب وفق الزمان والمكان، ويتم تقييم الأسلوب على ضوء التزامه بالمبادئ والقيم وتنميتها وتحقيقها في المجتمع، وبهذا يمكن أن نقول أن من أمثلة المبادئ هي:

  • العزة
  • الكرامة
  • الولاية لله ولأولياء الله، وما يتبعها من الانقياد للقيادة الربانيّة من دون قيد أو شرط
  • التبرّي من أعداء الله

ومن أمثلة الأساليب المتغيّرة:

  • الحرب والقيام
  • الصلح والقعود
  • تشخيص الأهداف المرحليّة والعمل بمستلزماتها

الالتزام بالمبادئ في مواقف القيام والقعود وإطاعة القيادة منبع التغيير.

يقول فضيلة الأستاذ المجاهد عبد الوهاب حسين (حفظه الله وفرج عنه من سجون الظالمين) في كلمته التي ألقاها في مجلسه العامر، في ليلة الثلاثاء الموافق 10 يناير 2011م: «خرج الرسول الأعظم الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) بجيشه لفتح مكة بعد أن نقضت قريش بنود صلح الحديبية، ولو لم تنقض قريش بنود صلح الحديبية، لما كان في وسع الرسول الأعظم الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) من الناحية الشرعية دخول مكة، وإلا كان ناكثًا للعهد الذي أمره الله العزيز الحكيم الوفاء به، قول الله تعالى: <وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً>»

بهذا يشير فضيلته إلى أن الالتزام بالإصلاح بالمعنى الإلهي والقرآني وإطاعة القيادة الربانيّة يأتي ببركات الفتح والتغيير والنصر، كما كانت النتيجة في فتح مكّة على يد رسول الله (ص) والمسلمين المستضعفين.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق